|
لقد نشأت علاقات حضارية وثيقة بين الصين والبلدان العربية خلال الاتصالات الودية بينهما في العصور التاريخية الطويلة، فتطورت حضارة كل من الجانبين عبر الاستفادة المتبادلة. وقد تركت هذه التبادلات الحضارية تأثيرا بعيد المدى في المجال الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
1 - إسهامات الحضارة العربية في الحضارة الصينية
شهدت الخلافة العربية الإسلامية ازدهارا في العلوم وتقدما في التقنية، وقد اتسمت الحضارة العربية بالسمات الإسلامية الواضحة، فسميت لذلك بالحضارة العربية الإسلامية.
علم الفلك والرياضيات
قدم الكثير من علماء الفلك المسلمين إلى الصين في عهد يوان حاملين معهم بعض الأجهزة والمصادر الفلكية العربية، وفي الوقت نفسه اتجه عدد من الفلكيين الصينيين إلى دولة المغول الإلخانية، حيث قدموا إلى الفلكيين فيها طريقة حساب التقاويم، وطريقة "قيان – تشي" وبعض المصادر الصينية في مجال التقويم الفلكي. غير أن تلك الكتب التي نقلت إلى الصين قد فقدت، فلا يعرف إلا بعض عناوينها من ((سجل ديوان وثائق يوان)) من تأليف وانغ شي ديان وشانغ تشي ونغ في عهد أسرة يوان، مثل ((الزيجات – مختلف التقاويم)) 48 جزءا و((صناعة الآلات الفلكية)) 8 أجزاء، و((الهيئات – الدراسات في التقاويم الفلكية)) 7 أجزاء، و((صور الكواكب – خريطة النجوم)) 4 أجزاء.
ولما دخلت الصين في عهد يوان، أرسل هولاكو فلكيا مسلما يدعى جمال الدين من مدينة مراغة إلى الصين للعمل فيها. فأحضر الرجل معه ((جامع المبادئ والغايات)) للفلكي العربي على أبو حسن المراكشي، ولعل جمال الدين هذا هو جمال الدين بن محمد النجاري. وفي العام الرابع من فترة تشي يوان (1267) تقدم جمال الدين إلى بلاط يوان بـ ((التقويم الدائم)) المعتمد على التقويم العربي. فعمل به فترة من الزمن بأمر من الإمبراطور شي تسو - يوان. وفي العام نفسه أنشأ جمال الدين مرصدا في بكين، وصنع سبعة أنواع من الأجهزة الفلكية العربية وهي كما يلي:
1) ذات الحلق
2) ذات السموت
3) لحمة المعوج
4) لحمة المستوى
5) كرة السماء
6) كرة الأرض
7) الأسطرلاب
غير أن أسماء هذه الأجهزة لم ترد في ((تاريخ يوان - سجل الفلكيات)) مكتوبة بالمقاطع الصينية المقاربة إلى الألفاظ المقابلة لها في اللغة العربية تماما، لأنها في الوقت نفسه مثلت الصياغة الفارسية والطريقة الفارسية في النطق أيضا.
وهذه المصادر والأجهزة الفلكية العربية قد ساعدت مساعدة فعالة على صنع الأجهزة الفلكية والرصد الفلكي ووضع التقاويم في الصين. وإنما على أساس صناعة الأجهزة الفلكية السابقة استطاع قوه شو جينغ (1231-1316) الفلكي الصيني الشهير أن يبتكر جهاز الرصد المبسط وغيره من الأجهزة الفلكية الجديدة في العام الثالث عشر من فترة تشي يوان (1276). وأفاد ((تاريخ يوان الجديد)) بأن الأجهزة التي أوجدها قوه شو جينغ قد عملت في المراصد مدة مائة سنة، وفاقت جميع ما تقدمها في العصور الماضية من الأجهزة المماثلة لدقة عملها. وكان "جهاز الرصد المبسط" الذي يجمع بين الدقة والكمال والبساطة قد ظهر قبل الجهاز الاستوائي المماثل له الذي صنعه الفلكي الدانمركي تيكو براهي (Brahe,Tycho ،1546-1601) بثلاثة قرون.
إن للتقويم العربي فضلا عظيما في تحسين التقويم الصيني. فالتقويم الذي أوجده قوه شو جينغ قد استوعب كل ما حققه علماء الفلك السابقون من نجاحات. وقد مضت عليه ثلاثة أو أربعة قرون ابتداء من عهد يوان وانتهاء بعهد مينغ دون أن يلاحظ فيه أي خطأ. و"لم يكن هناك أي تقويم أدق منه قبل تبني التقويم الأفرنجي." أما عبارة "استوعب كل ما حققه علماء الفلك السابقون من نجاحات "فتعني الاقتباس من مزايا التقاويم السابقة، بما فيها منجزات التقاويم الصينية، وصفوة التقاويم العربية، فقد جاء ((تقويم التوقيت)) اقتباسا من الزيج الكبير الحاكمي لابن يونس (توفي عام 1009) أكبر علماء الفلك في أيام الفاطميين (909-1171). وبالرغم من أن الصين استخدمت تقويم التوقيت في عهد يوان، واستخدمت ما يسمى بالزيج العام الكبير في عهد مينغ، فقد ظل التقويم العربي يتمتع بمكانة عالية في هذين العهدين، إذ أنشأت أسرة يوان "هيئة الأرصاد الفلكية الإسلامية" التي تتولى الأرصاد الفلكية والحسابات التقويمية في البلاد". وكانت، شأنها شأن هيئة الأرصاد الفلكية في عموم البلاد، تشغل الدرجة الرابعة من سلم الإدارات الإمبراطورية، ثم ارتقت إلى الدرجة الثالثة لفترة من الزمن مما دل على علو مكانتها. ولما دخلت الصين في عهد مينغ حظي التقويم العربي باهتمام الدولة المستمر. ففي العام الأول من فترة هونغ وو (1368) أنشأت الحكومة الصينية هيئة الأرصاد الفلكية الإسلامية. وفي العام التالي دعت أحد عشر موظفا، ومنهم تشنغ على من مرصد هوي هوي الذي تم إنشاؤه في عهد يوان، والذي لم يلبث أن رقي إلى هيئة الأرصاد الفلكية، إلى نانجينغ لمناقشة مشكلة التقويم. وفي العام الثالث من فترة هونغ وو (1370) "حولت الحكومة هيئة الأرصاد الفلكية إلى هيئة أرصاد فلكية إمبراطورية، وعينت لها رئيسا، وكانت تنقسم إلى أربعة أقسام: قسم الفلكيات، وقسم الساعة المائية وقسم التقويم العام الكبير، وقسم التقويم الهجري. وفي العام الخامس عشر، كلفت العلامة وو بوه تسونغ وزملاءه بترجمة كتب عن التقويم الهجري وخطوط الطول والعرض وعلم الفلك". وقد ظل التقويم الهجري مستخدما فترة من الزمن في أوائل عهد تشينغ إلى أن ألغي في العام الثامن من عهد كانغ شي (1669).
وبما أن الرياضيات هي أساس علم الفلك، فقد انتقلت الرياضيات العربية مع علم الفلك العربي إلى الصين في آن واحد. ويرجح أن المثلثات القوسية التي بادر قوه شو جينغ إلى استخدامها في عهد يوان قد نقلت من بلاد العرب أيضا. وقد ذكر في مادة كتب هوي هوي من ((سجل ديوان وثائق يوان)) سبعة عشر جزءا من علم الهندسة وثمانية أجزاء من المسائل الحسابية وغيرها من كتب الرياضيات العربية.
الطب والصيدلة
إن العقاقير الطبية العربية بما فيها اللبان ودم الأخوين والصبار والمر والميعة والحلبة والقرنفل والزراوند والحلتيت والإهليلج واللؤلؤ وكافور بورنيو وما إلى ذلك من العقاقير العربية قد استخدمت في أوساط الطب والصيدلة في الصين على نطاق واسع، وبعض أسمائها لا يزال باقيا في اللغة الصينية كما هو في اللغة العربية تقريبا، مثل (muyao) (دواء مر) و(Huluba) (الحلبة) و(Helile) (الإهليلج)..الخ. وتظل الأبخرة العربية تحتل مكانة هامة بين العقاقير الطيبة الصينية، وقد ورد في وثائق سونغ أن عدد الحبيبات والكريات والمساحيق من مصنعات اللبان بين الأدوية الصينية الجاهزة يبلغ اثني عشر نوعا، وعدد الطبخات من مركبات الزراوند والكريات من مصنعاته يبلغ ستة أنواع، وعدد الكريات والمساحيق من مصنعات المر يبلغ سبعة أنواع. وبعد عهد سونغ شهدت الأبخرة العربية استخدامات أوسع من ذي قبل.
لقي الطب العربي والصيدلة العربية إقبالا عظيما من أهل الصين، وقد ورد في مصادر الطب في عهد سونغ قول بأن مسحوق الزراوند له قوة سحرية في شفاء الأمراض، وأن كريات الميعة لها قدرة على تنظيم النشاط الحيوي لدى المرضى من جديد أو شفائهم من تف الدم، حتى تعيد المشرف على الموت منهم إلى كامل صحته. وكانت العملية الجراحية العربية في عهد يوان تتمتع بشهرة عظيمة جدا داخل الصين، فقد ظلت ألسنة العامة تتناقل الحكايات عن القدرة السحرية لدى بعض الأطباء المسلمين في الصين في علاج الصداع باستخراج "السرطان (السلطعون) الصغير" من الجمجمة، أو في شفاء الفرس من تضخم البطن باستئصال النسيج المتصلب من فخذه.
كانت سلطة يوان الإمبراطورية تهتم بالطب العربي والصيدلة العربية، فأنشأت في المستشفى الإمبراطوري المؤسسة الخيرية العامة التي "تعني بالعقاقير الطيبة العربية ومصنعاتها التي كانت الأسرة الإمبراطورية تداوي بها المرضي من الحرس المسنين والمساكين في العاصمة"، ثم الحقت بها دار الأدوية الإسلامية في دادو - العاصمة الكبرى (بكين اليوم) ودار الأدوية الإسلامية في شانغدو - العاصمة العليا (خراخوروم اليوم) لتتوليا شؤون الأدوية الخاصة بالمسلمين في الصين. وفي الوقت نفسه حفظت السلطة الإمبراطورية بعض المصادر الطبية التي نقلت من بلاد العرب. فقد ذكر في مادة كتب هوي هوي من ((سجل ديوان وثائق يوان)) كتاب بعنوان ((Tuibi Yijing)) (من ثلاثة عشر جزءا)، أي "كتاب الطب"، ولفظة "Tuibi" تحريف للفظة "الطب" العربية.
وقد ورد الكثير من الأدوية أو العقاقير العربية في كتاب ((وصفات هوي هوي)) الذي تم تأليفه في عهد مينغ، والنسخة المخطوطة الناقصة من هذا الكتاب لا تزال محفوظة في مكتبة بكين إلى الآن.
وبانتقال الطب العربي والصيدلة العربية إلى الصين صار التراث الصيني في الطب التقليدي والصيدلة التقليدية أغنى من ذي قبل. وقد ذكر لي شي تشنغ علامة الطب التقليدي الصيني في عهد مينغ الكثير من الأدوية العربية وطرق المداواة العربية في عمله ((الخلاصة الوافية من العقاقير الشافية)). فورد فيه مثلا أن زيت الميعة من انتاج دولة داشي، ورائحته مماثلة لنبات يسمى (Dunuxiang)، وأن الشيوخ التازيان يزعمون أن الإنسان إذا حمل معه الإهليلج يشفي من كل الأمراض، وأن البلح مغذ ويزيد سيماء الوجه بهاء.
طريقة تكرير السكر
لما دخلت الصين في زمن الأسر الإمبراطورية الست (220-589)، بدأت تصفي السكر من عصير قصب السكر. وفي أواسط القرن السابع أرسل الإمبراطور تاي تسونغ - تانغ رجالا إلى (Magadha) في الهند حيث تعلموا فن استخلاص السكر بطريق الغلي. ولما عادوا إلى البلاد استطاعوا أن ينتجوا سكرا أجود مما ينتج في المناطق الغربية من حيث اللون والمذاق. فبدا من ذلك أن الصين قد تمكنت من رفع فن تصفية السكر إلى مستوى أعلى. وقد ورد في ((رحلة ماركو بولو)) أن سكان (Unguen) في فوكيان كانوا قبل سيطرة سلطة يوان عليهم لا يعرفون كيفية تصفية السكر، وإنما يكثفون عصير قصب السكر بطريقة الغلي، ويزيلون الأوساخ منه، حتى إذا برد حصلوا على قطع السكر ذات اللون الأسمر. ولما خضعوا لحكم يوان، أرسلت السلطة المركزية إليهم رجالا من "بابل" يتقنون فن تكرير السكر ليعلموهم كيفية تصفية السكر باستخدام الرماد النباتي المحتوي على الصودا التي من شأنها أن تبيض السكر الأسمر. وجدير بالذكر أن السكر الأبيض حينذاك لم يكن أبيض كما هو عليه اليوم، وإنما يبدو أبيض نسبيا. وقال ابن بطوطة: "ببلاد الصين السكر الكثير، مما يضاهي المصرى، بل يفضله". لقد شهدت الصين تطورا عظيما في تكرير السكر في غضون ثمانين سنة. وكانت متخلفة في هذا المجال غير أنها سرعان ما فاقت الدول الأخرى وصارت دولة متقدمة فيه.
الفنون
تركت الفنون العربية بما فيها العمارة والموسيقى والرسم والزي أثرا في الأقليات الصينية الإسلامية بدرجات متفاوتة.
وأثر العمارة والرسم يتمثل بصورة رئيسية في مباني المساجد والجوامع، فمسجد هوايشنغ في كانتون يتميز بالأسلوب المعماري العربي، ومئذنته المسماة برج النور والمنتصبة في شكل أسطواني، تطاول عنان السماء بمسلتها خلافا للبرج الصيني ذي الطوابق المتعددة من الطوب والخشب. وقد ورد في نقش ((نصب إعادة بناء مسجد هوايشنغ)) تعريف يقول: "وتحت السحب البيضاء وفي أحضان الجبال يقوم هذا المبني الديني، وهو من حيث الطراز كأنه منقول من المناطق الغربية، ومن حيث المنظر كأنه صخرة منتصبة، فلا مثيل له في أواسط البلاد." وخلاصة القول إن مسجد هوايشنغ قد بني متأثرا بالهندسة المعمارية الإسلامية، ولم يسبق له نظير في الصين. ومسجد شنغيو الذي بني في مدينة الزيتون في العام الثاني من فترة داتشونغ شيانغ فو (1009-1010) في أسرة سونغ الشمالية متشابه جدا من حيث بوابته وتصاميم سقف قبته والأسلوب المعماري للطريق المبلط المؤدي إلى بنائه الرئيسي مع مباني المساجد التي كانت شائعة في بلاد العرب في القرون الوسطى. والمبني الرئيسي من مسجد فنغهوانغ بهانغتشو يحاكي في مظهره المساجد العربية، إذ يتوسطه مدخل مقوس على شكل تويج الزهرة، وينتصب على كل جانب منه برج رمزي، وسطحه مسيج بحيطان خفيضة مزخرفة ببتلات اللوتس، وذلك كله يدل على الأسلوب المعماري الإسلامي. أما قاعة الصلاة فيه "فتقع في مؤخره بحيث تبدو جبهتها أعظم من عمقها، مثل المساجد التقليدية في غربي آسيا". وسقف قبتها منقوش بالأزهار والأعشاب، وهي من الزخارف العربية الزاهية الألوان. ومسجد نيوجيه في بكين يمثل ببنائه وتوزيعه "فنا يجمع بين عمارة القصور الصينية التقليدية والعمارة العربية، بحيث يضفي على التركيب الخشبي من المباني الصينية الزخرفة العربية الصاخبة، فيشكل الطراز الفريد الذي تتميز به العمارة الإسلامية في الصين". وعلى الواجهة من البناء الرئيسي من هذا المسجد شبابيك ذات شعرية تحمل زخارف من الكتابات العربية، وفي داخله رواق مكون من واحد وعشرين عقدا فوق عشرين عمودا مكتوبا عليها آيات قرآنية وتعابير مديح للنبي بالخط العربي النابض بالقوة، وخصوصا الخط الكوفي، و"الزخارف البديعة من أزهار الساعة تعلوها مذهبة أو مبيضة على أرضية حمراء. كما أن سقف القاعة منقوش بعبارات التسبيح وأسماء الله عز وجل" فتبدو مشرقة مهيبة. ومسجد هواجيويه في شيآن تتوزع مختلف أقسامه بما فيها قاعة الصلاة والجوسق وقوس البوابة في تناسق تام، و" يجمع بين تقاليد العمارة الصينية وفن العمارة الإسلامية في منظر رائع من التوافق والانسجام ".
أما في سينكيانغ فإن جامع عيد كاه في كاشغر وبرج سوقونغ في تروبان يتميزان كذلك بالأسلوب العربي الإسلامي.
لقد سبق للصين وغربي آسيا أن شهدتا قبل الميلاد تبادلا فنيا في مجال الموسيقى. وفي أواسط القرن العاشر أصبح إسلام الدولة القرخانية نقطة تحول كبرى في تحول سينكيانغ إلى الإسلام، فترك هذا أثرا عميقا في تاريخ الحضارة في سينكيانغ وآسيا الوسطى. فالدولة القرخانية التي كانت تقع على القسم الهام من طريق الحرير قد شهدت ازدهارا في العلوم، وأصبحت ملتقي للحضارات الشرقية والغربية، وقد اشتهرت (Balashagun) وكاشغر - عاصمتاها في فترات متفاوتة - في إرجاء العالم، حيث كانت الحضارة العربية الإسلامية والحضارة التركية ممتزجتين، فتكونت الحضارة التركية الإسلامية. وكانت الموسيقى العربية تلتقي بالموسيقى الويغورية فتقتبس كل من الأخرى، الأمر الذي ساعد على تطور كل منهما، بل أحدث تأثيرات في الموسيقى في أواسط بلاد.
في الآلات الموسيقية: قد ظهرت في مصر قبل ثلاثة آلاف سنة آلة موسيقية تسمى "جونق" أو "هابو"، وقد استعملت هذه الآلة الموسيقية في آشور قبل الفي سنة قبل الميلاد، وكانت تسمى "سنكا"، ثم نقلت إلى فارس، وسميت "Cank"، ومن ثم نقلت إلى كوتشار وإلى أواسط بلاد الصين، فسميت "كونغهو"، ومن ثم نقلت إلى كوريا واليابان. و"كونغهو" لفظة محرفة عن"Cank"، و"بي - با" (اسم مختصر لبيبا المعوجة العنق) قد انحدرت من بلاد ما بين النهرين، وبدأ استعمالها في فارس في القرن الثامن قبل الميلاد، ثم نقلت ثانية إلى أواسط البلاد. وكان فنانا من شوله (Shule) في سينكيانغ. والصنج النحاسي الذي يعود أصله إلى آشور قد نقل إلى المناطق الغربية في عهد هان تقريبا، وبدأ استعماله في أواسط البلاد في عهد جين الشرقية (317-420). والسنطور آلة موسيقية من ابتكار الآشوريين، وقد نقلت إلى بلاد الصين عبر فارس؛ وآلة اليانغ- تشين تطوير لهذه الآلة. والدافو آلة ويغورية يعود أصلها إلى بلاد العرب. والربابة آلة وترية من ابتكار العرب، وكانت أحادية الوتر في البداية، ثم تحولت إلى ربابة رأس الحصان المنغولية ذات الوترين، وإلى الكمنجا الفارسية ذات الوترين. ولما تبناها الويغور، سموها "خرزك". وهي آلة ذات مرنان مستدير ووترين، ويعزف عليها بالقوس. ولما نقلت إلى أواسط البلاد، سميت "الهو - تشين"، ثم تطورت ثانيا إلى "الأرهو"، و"الجينغهو" و"البانهو" و"السيهو". ومن الآلات الويغورية ما يسمى بأسماء الآلات العربية، غير أنها آلات أخرى لا تمت بصلة إلى مسمياتها في البلدان العربية. والطنبور الويغوري ذو الأوتار الخمسة هو ما تطور من العود العربي. أما الطنبور العربي فهو آلة رباعية أو سداسية الأوتار. والربابة الويغورية آلة وترية نقرية، أما الربابة العربية فآلة وترية قوسية. والناي الويغوري مزمار أفقي، أما الناي العربي فمزمار عمودي أطول.
في المقامات: إن "مقامات" لفظة عربية مفردها مقام، ومدلولها الأولى أنها أسلوب من أساليب الأدب العربي يتضمن قصة قصيرة مسجوعة، ثم تحولت في القرن الثالث عشر إلى اصطلاح موسيقي يمثل إثني عشر سلما أساسيا من الموسيقى العربية الإسلامية التي أبدعها الفيلسوف والموسيقار ابن سينا التاجكي (980-1037)، ثم شهدت تطورا متكررا خلال فترات تاريخية طويلة، فظهرت لدى الشعوب الإسلامية مقامات متباينة الأساليب. والمقامات الويغورية تمثل مجموعات تقليدية من الألحان التي تجمع بين "لحن الغناء"، و"لحن الرقص"، و"لحن الجواب" وهو لحن سريع يأتي غالبا في ختام اللحن الغنائي. وظل الويغوريون يحتفظون في مقاماتهم بمجموعات الألحان الثلاث (Lake) و(Wushake) و(Wuzale) - (الرقة والعشاق والعذال) - التي أبدعها الفيلسوف والموسيقار العربي الفارابي التركي الأصل (870-950)، هذا إلى جانب المصطلحات الموسيقية العربية والألفاظ والتعابير العربية التي أدخلوها عليها أو الآثار التي تركتها الأوزان والقوافي العربية فيها.
اللغة
دخلت اللغة العربية الصين مع دخول الإسلام إليها. ومعروف أن كثيرا من المسلمين يتعلمون اللغة العربية منذ نعومة أظفارهم، ويقرأون القرآن الكريم باللغة العربية، وإن الويغور والقازاق وغيرهما من الأقليات التي تنطق لغات الترك، ظلت تكتب لغاتها بالأبجدية العربية، وتبنت عددا كبيرا من المفردات العربية، بينما اتخذت اللغة العربية هي الأخرى عددا من المفردات من لغات الترك. وقد بدأت الأبجدية العربية تحل محل الأبجدية الويغورية الكلاسيكية في زمن الدولة القرخانية، كما أن اللغة العربية كانت لغة متداولة في كاشغر. وقد وضع كتابان ضخمان معروفان في العالم في زمن الدولة القرخانية: ((ديوان لغات الترك)) و((الحكمة مفتاح السعادة)) الذان بقيا درتين مشرقتين في تاريخ الحضارة الويغورية وتحفتين في تراث حضارة الأمة الصينية، وقد ألقى العرب ظلالهم على كل منهما من حيث اللغة والأدب.
إن ((ديوان لغات الترك)) قاموس للتركية - العربية، والتركية كلها مكتوبة فيه بالأبجدية العربية. ومؤلفه محمود الكاشغري المنتسب إلى الويغور في كاشغر، وكان متقنا للغة العربية، وقد أمضى في سينكيانغ وآسيا الوسطى وكبتشاك بضع عشرة سنة في دراسة التاريخ واللغة والأدب والفلك والخغرافيا والملامح الطوبوغرافية والنوادر والنقوش والنباتات والحيوانات والطيور والحشرات والعادات والتقاليد والأزياء والأدوات.. الخ. ووصل إلى بغداد في نهاية الستينات من القرن الحادي عشر، وقدم إلى الخليفة العباسي المقتضي أول قاموس في العالم للغتين التركية والعربية، وقد ألفه استجابة لرغبة العرب في دراسة لغات الترك، وقد ضم بين دفتيه ما يزيد على سبعة آلاف مادة لغوية (وألحقت به خريطة للعالم)، ويعتبر أول موسوعة خاصة بسينكيانغ وآسيا الوسطى لوفرة ما فيه من مواد. هذا وقد أدرج فيه أكثر من مئتي أغنية شعبية وأكثر من مئتي مثل أو حكمة من الويغور وغيرها من القبائل التركية، وكلها ذات قيمة أدبية كبيرة. والنسخة المخطوطة الوحيدة لهذا القاموس لا تزال محفوظة الآن في المكتبة الوطنية في تركيا.
وديوان ((الحكمة مفتاح السعادة)) ("علم السعادة" بالترجمة الحرفية) ليوسف خاص حاجب من مواليد (Balashagun)، وكان قوى الإيمان وشاعرا نابغا وفيلسوفا ومفكرا. وقد تم نظم هذا الديوان عام 1070، وضم بين دفتيه ثلاثة عشر ألف بيت أو أكثر من القصائد القصصية، ويعتبر أول عمل أدبي ضخم باللغة الويغورية الكلاسيكية (من العلماء من يرى أن صياغته الأولية كانت باللغة الويغورية المكتوبة بالأبجدية العربية، ثم نسخ بعد ذلك باللغة الويغورية الكلاسيكية)، والقصائد فيه تسبيح لله وتمجيد للرسول ونصائح للحكام بأن يتمسكوا بالعدل والحكمة والقناعة حيث رسم لاستقرار الدولة القرخانية مشروعا من ثلاث نقاط ليلتزم به الحكام والرعية على حد سواء. وهذه النقاط هي الاستفادة من العلم لأحياء الضمير لدى الإنسان، والاستعانة بالأخلاق للحد من التصرفات الشخصية، واللجوء إلى القانون لصيانة سلطة الحكم. وهكذا مثلت هذه القصائد رغبة أبناء الشعب في الاستقامة والعدل والأمن والاستقرار إلى حد معين، ومزج فيها بين الحضارة القومية والحضارة الواردة في وحدة متكاملة بأسلوب بديع وحكم غنية، فبقي ديوانه هذا عملا خالدا في تاريخ الأدب الويغوري. لقد تبني الشاعر أوزان الشعر العربي التقليدي في قصائده وصاغها صياغة ثنائية، لذلك كانت قصائده أول منظومات ثنائية موزونة في تاريخ الأدب الويغوري. ولديوان ((الحكمة مفتاح السعادة)) ثلاث نسخ مخطوطة، نسخة بالويغورية الكلاسيكية محفوظة إلى الآن في مكتبة فيينا، ونسختان بالويغورية المكتوبة بالأبجدية العربية، إحداهما محفوطة في مركز البحوث الشرقية التابع لأكاديمية العلوم في أوزبكستان، والأخرى قد سبق لها أن حفظت في مكتبة الخديوي بالقاهرة.
|