123 321
【 首 页 】 【阿中关系】 【中东问题】 【经贸关系】 【شؤون سياسية】 【ثقافة واقتصاد】 【صحافة واعلام】 【مقالات استراتيجية】  
【信息中心】 【企业介绍】 【驻华阿拉伯】 【数字和事实】 【الصين حقائق وارقام】 【مؤسسات صينية】 【المركز العربي للمعلومات】 【الجالية العربية】
2 - إسهامات الحضارة الصينية في الحضارة العربية

 

      لقد سبق للعرب أن أعجبوا بالحضارة الصينية في زمن مبكر جدا. فقد قدم العلماء من الأندلس إلى الصين طلبا للعلم رغم مشقات السفر الطويل[1]. وكان العلماء العرب يكيلون للعلوم والتقنية الصينية آيات المديح، إذ أثنوا على ذكاء الصينيين ومهاراتهم اليدوية، ورأوا أن بين أعمال الفنون الجميلة الصينية ما لا يضاهيه شيء من فنون العالم المماثلة، وإن كثيرا من هذه الفنون الصينية تبدو كأنها ضرب من السحر والخيال. وكان العرب يعجبون بالسلع الواردة من الصين، فيلحقون لفظة "صينية" بكثير منها إشارة إلى موطنها وتأكيدا على حسن جودتها وإتقان صناعتها.

     

      الحرير وفن نسجه

      وبما أن الصين هي الدولة التي اخترعت الحرير فقد سبق لها أن سميت في الغرب بدولة الحرير. وقد بدأت تنتج الحرير بكميات هائلة، وتصبغه ألوانا مختلفة فيما بين القرن الثاني والثالث. وكان الحرير باعتباره رمزا للحضارة الصينية أقدم وأجمل هدية تقدم إلى العرب.

      "كم من جلاجل تنساب نحو الصحراء الغربية

      وكم من أباعر نحوها تتهادى

      وأحمالها معبّأة بشلل بيضاء"[2]

      من خلال هذه الأشطر الشعرية يتضح لنا أن القوافل كانت تجتاز الصحراء الشاسعة وسط جلجلة الأجراس لتنقل حرير الصين الجميل الناعم إلى سينكيانغ، ومن سينكيانغ تنقله إلى بلاد العرب، ومن ثم إلى أوربا.

      كان الحرير الصيني في البداية مقتصرا على الطبقات العليا في بلاد العرب، وقد سبق للعلماء أن اكتشفوا بعض الحرير الصيني الخام في قبر بتدمر بني عام 83 للميلاد[3]. كما اكتشفوا في قبور أخرى في هذا البلد بعض المنسوجات الحريرية التي تماثل من حيث الأسلوب الفني والصناعة بقايا الأنسجة الحريرية التي اكتشفها ستاين في لولان شرقي بحر بوتشانغ (بحيرة لوب نور اليوم)، وما يزال متحف تدمر إلى اليوم يحتفظ بجزء من بقايا الأنسجة الحريرية الصينية هذه. واكتشفت في الحفريات المصرية كذلك منسوجات من الحرير الصيني في القرن الرابع للميلاد. وكان في بغداد في القرن الثامن للميلاد سوق خاصة ببيع الأنسجة الحريرية الصينية وأواني الخزف الصيني.

      كان العرب يعتقدون أن الثياب الحريرية تقي الإنسان من الأمراض الجلدية وتحفظه من القمل والبراغيث والبق، لذلك أحبوا الحرير الصيني وأعجبوا به كل الإعجاب. وقد ورد في ((أخبار الصين والهند)) حكاية تشيد بالحرير الصيني، جاء فيها أن أصحاب المعالي والأشراف لا يلبسون إلا الحرائر الفاخرة. وذات يوم ذهب تاجر عربي غني لمقابلة موظف صيني بعثه الإمبراطور إلى كانتون ليختار له ما يحتاج إليه من سلع عربية، فتراءت للتاجر شامة سوداء على نحر الموظف الصيني من خلف ثيابه الحريرية، فدهش من رقة الحرير الصيني حيث قدر أن الموظف كان يلبس قطعتين من الثياب، لكنه في الواقع كان لابسا خمس قطع. و"هذا النوع من الأقمشة يعتبر من أجود الحرائر المنسوجة من الحرير الخام غير المبيض"، أما الحرير الذي يلبسه حاكم البلد فهو أعلى جودة وأكثر بهاء"[4]. وكثيرا ما كان العرب ينسبون الحرائر الصينية إلى أسماء المدن التي جاءت منها للتأكيد على أنها سلع صينية خالصة. فمدينة هانغتشو كانت تسمى عند العرب "هانشا"، فسموا الحرائر التي تنتج فيها "الهانشاوية"، أي من إنتاج هانغتشو؛ ومدينة تشيوانتشو كانت تسمى عندهم "الزيتون"، فسموا الأطلس (الساتان) الذي ينتج في تشيوانتشو "الزيتوني"، أي من إنتاج تشيوانتشو، ثم تحولت لفظة "الزيتوني" إلى لفظة (Setuni) في اللغة الكاستيلية (إحدى اللهجات الأسبانية التي بقيت أساسا للغة الأسبانية النموذجية)، وإلى لفظة (Satin) في الفرنسية والإنجليزية، ومدلول كل من هذه الألفاظ واحد، وهو الأطلس (الساتان).

      وكان حرير الصين مصدرا هاما للمواد الخام المستخدمة في صناعة الغزل والنسيج في سوريا ومصر في العصور القديمة. والحرير الذي نسجت به بردة كليوباتره كان مستوردا من الصين. وقد سبق للرومان في الأسكندرية وتير (صور اليوم) وسدوم وغزة وغيرها من المدن التي تقع على الشاطئ الشرقي من البحر الأبيض أن أنتجوا أقمشة حريرية باستخدام حرير الصين، أو فكوا ما يسمى "الجيانسو" من النسيج الصيني للحصول على الألياف الحريرية التي ينسجون بها الحرير الشامي البنفسجي اللون لسد حاجات الأرستقراطيين. وفي غضون القرن الخامس أصبحت بيزنطة ومصر وسوريا ثلاثة مراكز لصناعة الغزل والنسيج في الإمبراطورية الرومانية الشرقية، وكانت صناعة غزل الحرير ونسجه تعتبر أهم مورد عندهم. إذ ذاك كان فن غزل الحرير ونسجه قد انتقل من الصين إلى مصر، فوجد فيها نوع من القماش البديع الذي تختلط فيه الرياش الدقيقة، ومن الأرجح أن فن نسج هذا القماش قد انتقل إليها من الصين مباشرة أو عبر فارس[5]. ولما فتح العرب مصر وغربي آسيا استغلوا الظروف المناخية الصالحة والأيدي الماهرة والمعدات الجاهزة الجيدة لينشروا صناعة غزل الحرير ونسجه على نطاق واسع، فأصبحت بلادهم الدولة الثانية بعد الصين في انتاج الحرير. وفي عام 751 حدث أن وقع عدد من الجنود الصينيين أسرى في يد العرب خلال حملة طراز، وكانوا من عمال غزل الحرير ونسجه، فانتقلوا بفنهم إلى بلاد العرب، وساعدوا العرب على رفع مستواهم في هذه الصناعة. وخلال القرن الثامن شهدت بيزنطة ركودا في الاقتصاد وتدهورا في هذه الصناعة، فلم تلبث سوريا والعراق وفارس أن احتكرت تجارة الحرير مع أوربا. وكانت الأقمشة الحريرية التي تنتجها هذه البلدان زاهية الألوان راقية الجودة، فلقيت إقبالا عظيما من الأوربيين. كان (Damask) الساتان المطرز بالخيوط الذهبية الذي راجت سوقه في أوربا من انتاج دمشق؛ و(Samite) القماش المقصب بالخيوط الذهبية والفضية من المنتجات الشامية؛ و(Baldaquins) الساتان المزركش بالذهب من صادرات بغداد[6].

      وكان للدولة العباسية، شأنها شأن الدولة البيزنطية، معمل خاص بالبلاط لخياطة ما يلزم الخليفة من برود ذات شارات إمبراطورية. وهذا النوع من البرود كان غاية في دقة الصنع وجودة القماش، وذا قيمة عظيمة جدا. والبردة التي أهداها هارون الرشيد إلى شارلمان (742-814) ملك الافرنج وإمبراطور الغرب، كانت من الحرير الأحمر الثخين ومزركشة بخيوط ذهبية وبتصاميم نسر وأفراخ سنونو. ويرجح أن هذه البردة قد تمت خياطتها في المعمل الخاص ببلاط الخليفة؛ إذ ذاك كان العرب قد شهدوا تقدما عظيما في صناعة غزل الحرير ونسجه.

      نقل العرب صناعة الغزل والنسيج من الحرير إلى الأندلس وجزيرة صقلية، فتعلمها الطليان من صقلية، وأقاموا الصناعة الخاصة بهم في الغزل والنسيج من الحرير، ومن ثم صارت صقلية قاعدة لنقل صناعة الغزل والنسيج من الحرير إلى أوربا في النصف الثاني من القرن الثاني عشر[7].

 

      الأواني الخزفية وصناعة الخزف الصيني

      كانت أواني الخزف الصيني تعد نوعا ثانيا من الصادرات الصينية بكميات هائلة بعد الحرير. وبما أن النقل البحري أكثر سلامة من النقل البري بالنسبة إلى أواني الخزف الصيني القابلة للكسر، كانت تنقل إلى الغرب بحرا في غالب الأحيان، وهذا ما جعل بعض الناس يسمي طريق الحرير البحري "طريق الخزف الصيني".

      لقد اخترعت الصين الفخار قبل عشرة آلاف سنة، واستطاعت قبل ستة آلاف سنة أن تصنع أواني فخارية اتصفت بأنها عملية وذات مظهر جمالي؛ أما أواني الخزف الصيني فقد ظهرت في عهد شانغ وتشو (ما بين أوائل القرن السابع عشر قبل الميلاد وعام 256 ق.م)، واجتازت المرحلة الانتقالية من الخزف الصيني البدائي إلى الخزف الصيني العادي التي عاصرت فترة هان الشرقية (25 ق.م-220م)؛ واستطاعت في عهد الممالك الثلاث وأسرتي جين الغربية والشرقية (220-420) أن تصنع أواني الخزف الصيني الأخضر أو الأسود البديعة في جيانغسو وتشجيانغ. وخلال الفترة التاريخية الطويلة الممتدة بين أسرتي تانغ ومينغ لم تكف صناعة الخزف الصيني عن التقدم، حتى إنها انتزعت إعجاب مختلف الأمم وذاع صيتها في أرجاء الدنيا. وكانت ألسنة العرب تلهج بالثناء عليها، فقد ورد في ((أخبار الصين والهند)) قول بأن أقداح الخزف الصيني الناعم صافية نقية كالزجاج بحيث يستطيع المرء أن يرى من خارجها ما في داخلها من الماء[8]، لذلك وصفه ابن بطوطة بأنه "أبدع أنواع الفخار"[9]؛ وقال لي تشاو في ((تكملة تاريخ تانغ)) أيضا إن "الخزف الصيني لازوردي كلون السماء، ورقيق كأنه الورق، و له رنين كرنين الجرس". وذلك كله يدل على أن العرب لم يكونوا مبالغين في إطرائهم للخزف الصيني. وكانوا لشدة إعجابهم به، يدعونه "الصيني" نسبة إلى الصين، ثم أصبحت هذه اللفظة فيما بعد تطلق على كل نوع من الأواني الخزفية. لقد كانت أواني الخزف المصنوعة في الصين تعتبر في نظر العرب من النفائس؛ فوالي مصر اختار منها أربعين قطعة، وأرسلها هدية إلى دمشق عام 1171، وقيل في بعض الأماكن إن طبق الخزف الصيني الأخضر يكشف ما إذا كان الطعام يحتوي سما.

      كانت أواني الخزف الصيني في عهد أسرة تانغ تنقل إلى بلاد العرب وتباع في أسواقها. وكان من بين الهدايا التي قدمها حاكم خراسان إلى هارون الرشيد أوان بديعة من الخزف الصيني. وبعد عهد تانغ صارت أواني الخزف الصيني تصدر إلى بلاد العرب بكميات هائلة، وقد اكتشفت بين حفريات الكثير من الأقطار العربية كسارات من أواني الخزف الصيني من عهود مختلفة[10].

      ففي العراق اكتشفت في حفريات سامراء شمالي بغداد كسارات من الخزف الصيني الأبيض والخزف الصيني الأخضر، منها ما يعود إلى خزف لونغتشيوان الأخضر من عهدي سونغ الجنوبية ويوان المنغولية. وقد سبق لسامراء أن كانت عاصمة الدولة العباسية في الفترة الممتدة من عام 836 إلى عام 892. وفي إطلال طيشفون على بعد خمسة وثلاثين كيلومترا جنوبي بغداد عثر بين حفرياتها على كثير من كسارات خزف لونغتشيوان الأخضر الذي يعود زمنه إلى ما بين القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر. وفي عبرتا على بعد ستين كيلومترا جنوب شرقي بغداد وما يجاورها من منطقة ديالى اكتشفت بالحفر كسارات من الخزف الصيني البني اللون الذي تم إحراقه في أتون يويتشو الشهير ما بين القرن التاسع والعاشر، وكسارات من الخزف الصيني الأبيض المصنوع في جنوبي الصين. وفي البصرة وأطلال الحيرة والأبلة اكتشفت كسارات من خزف لونغتشيوان الأخضر.

      وفي سوريا اكتشفت في حفريات حماة كسرات آنية من الخزف الصيني الأبيض وقصعة من الخزف الصيني الأخضر عليها نقوش نافرة من عود الصليب، وهما مما صنع في عهد أسرة سونغ الجنوبية، وكذلك كسرات أوان من الخزف الصيني مما صنع في عهد أسرة يوان بما فيه النوع الأبيض والنوع الأخضر والنوع الأزرق والأبيض.

      وفي لبنان اكتشفت بالحفر في بعلبك كسرات من خزف لونغتشيوان الأخضر المزخرف بتصاميم اللوتس والذي تم إحراقه في عهد أسرة سونغ، وكسرات طاسات من الخزف الصيني الأخضر والأبيض المزخرف بتصاميم الأزهار والأعشاب والذي تم إحراقه في عهد أسرة يوان.

      وفي عمان اكتشفت في الموقع القديم لمدينة صحار كسرات من الخزف الصيني، وخاصة الخزف الصيني الأزرق والأبيض من عهد أسرة مينغ.

      وفي البحرين اكتشفت قطع من خزف لونغتشيوان الأخضر من أوائل عهد أسرة مينغ.

      وفي اليمن اكتشفت في عدن وبعض الأماكن القريبة منها كسرات من الخزف الصيني. وفي (Zahlan) اكتشفت كسرات من خزف لونغتشيوان الأخضر من عهد أسرة سونغ، وكسرات من الخزف الصيني الأبيض والأزرق من عهد أسرة يوان.

      وفي السودان اكتشفت في موقع عيذاب الأثري كسرات من الخزف الصيني الأخضر يعود تاريخه إلى ما قبل أواسط عهد أسرة مينغ، وفيها قطعة عليها نقوش باغسبوية[11].

      وفي الصومال اكتشفت بين حفرياتها كسرات من خزف جينغدتشن في الصين.

      وفي مصر بدأت أواني الخزف الصيني تدخلها منذ القرن التاسع عن طريق ميناء عيذاب السوداني، حيث كانت تنقل إلى المناطق الداخلية في السودان، وإلى الفسطاط[12] المحطة الهامة لتجميع ونقل أواني الخزف الصيني في العصور الوسطى، ومن ثم تنقل مرة أخرى إلى إيطاليا وصقلية وأسبانيا وبلاد المغرب. وبين الآلاف المؤلفة من كسرات الخزف الصيني التي عثر عليها في حفريات موقع الفسطاط الأثري ما يعود إلى عهد أسرة تانغ من الخزف الصيني الأخضر والخزف الصيني الأبيض؛ وما يعود إلى عهد أسرة سونغ من الخزف الصيني اللازوردي، وخزف لونغتشيوان الأخضر - وهو في الغالب سلطانيات مزخرفة بتصاميم اللتوس أو بتصاميم عروق السحب، وأطباق مزخرفة بتصاميم العنقاء، ومغاسل كل منها مزخرفة بتصميم سمكتين[13]؛ وما يعود إلى عهد أسرة يوان من سلطانيات مزخرفة بتصاميم اللوتس وأطباق أو صحون مزخرفة بتصاميم عود الصليب، وأطباق مزخرفة بتصاميم التنينين المتنافسين على الدرة، وأطباق مؤبلكة بتصاميم السمكتين، بالاضافة إلى الأوعية والأفران والكؤوس..الخ. وأخيرا منها ما يعود إلى عهد أسرة مينغ من الخزف الصيني الأزرق والأبيض.

      ومن أواني الخزف الصيني القديم التي اكتشفت في حفريات الأقطار العربية ما هو محفوظ في المتاحف بالبلدان الغربية، ومنها ما هو محفوظ في المتاحف بالأقطار العربية. ففي قصر العظم بدمشق أوان من الخزف الصيني القديم، وفي متحف بغداد مزهريات صينية من الخزف الصيني الأخضر، وفي المتحف المصري بعض أواني الخزف الصيني أيضا. وهذه المعروضات تحظي ببالغ الاهتمام لدى العرب باعتبارها دلائل أثرية على الاتصالات الودية التي قامت بين الصين وبلادهم في العصور القديمة.

      انتقلت صناعة الخزف الصيني إلى بلاد العرب في القرن الحادي عشر، وعلى يد العرب انتقلت إلى البندقية عام 1470، ومنذ تلك الفترة بالذات بدأت أوربا إنتاج الخزف الصيني[14]. وأخذت مصر في أيام الفاطميين تصنع أواني الخزف على غرار الخزف الصيني ابتداء من الخزف الصيني الأخضر، ثم الأزرق والأبيض، وقد فعلت ذلك من حيث الأشكال والتصاميم أولا، ثم شكلت المميزات الخاصة بها تدريجيا. وبلغت مستوى عاليا جدا في صناعة الخزف في غضون النصف الأول من القرن الحادي عشر، حيث كانت خزفياتها "تبدو في غاية الجمال والشفافية حتى إن المرء يستطيع أن يرى يده من ورائها"[15].

 

      الفنون

      حدث لكثير من الفنون الصينية كالرسم الصيني والموسيقى الصينية وخيال الظل وغيرها أن انتقلت إلى الأقطار العربية عبر التاريخ، فتركت أثرها في العرب. وقد أثني الأديب والمؤرخ العربي الثعالبي (961-1038) على براعة أهل الصين في صنع التماثيل والنحت والحفر والرسم، فقال إن صور الأشخاص تحت ريشة الرسام الصيني تنبض بالحيوية حتى لتكاد تنطق، برغم خلوها من الروح. كان الرسامون الصينيون يستطيعون أن يصوروا مختلف تعابير الوجه كالبسمة المصطنعة والبسمة الطبيعية والبسمة الصفراء والضحكة من أعماق القلب وضحكة التهكم[16]. وقد علق ابن بطوطة على الرسم الصيني قائلا: "إن لهم فيه اقتدارا عظيما، فلا يجاريهم في أحكامه أحد من الروم ولا من سواهم."[17] وفي غضون القرن الثامن نقل الرسامان فان شو وليو تسي فن الرسم الصيني إلى بلاد العرب[18]. وحينما بدأ الخليفة المعتصم إنشاء مدينة سامرّاء، استخدم عددا كبيرا من الفنانين الصينيين، فتركوا في الرسوم الجدارية في سامرّاء آثار الرسم الصيني إلى جانب آثار الرسم اليوناني والفارسي[19].

      وكانت في كوتشار في الزمن القديم آلة نفخية تسمى "بيلي". ولما نقلت هذه الآلة إلى بلاد العرب وفارس، سميت "بالامان" (Balaman)، فهجر الويغوريون اسمها الأصلي، وسموها هذه التسمية الجديدة تبعا للعرب. والسونة كانت هي الآلة الأخرى التي وجدت في كوتشار بدليل الرسوم الجدارية من القرن الثالث في جروبتويف في كيزيل (Kizil,Groptoif)، وقد سماها الفارابي "السورنة"، ولعل هذه اللفظة من لغات الترك. ولما نقلت السونة إلى بلاد العرب، نقلت منها إلى أوربا أيضا. وقد شهدت كوتشار في القرن الرابع البيبا الخماسية الأوتار. وكان العود العربي ذا أربعة أوتار فقط، وفي القرن العاشر أضاف الفارابي وترا إليه، فصار خماسي الأوتار. ولعل ذلك بتأثير من البيبا الخماسية الأوتار في كوتشار. وقد ترك لحن الجواب الويغوري أثرا إيجابيا في تطور الموسيقى العربية الإسلامية أيضا.

      أما خيال الظل فكان ظهوره الأولي في الصين في عهد تانغ، ثم ما لبث أن عم الصين كلها مع حلول عهد سونغ، وأصبح يعرض في المعسكرات في عهد أسرة يوان المنغولية بحيث صارت مشاهدات خيال الظل من أهم نشاطات التسلية لدى العساكر. ولما نقله المنغول إلى البلاد العربية لقي إقبالا عظيما لدي العرب.

 

      الطب والصيدلة

      ورد في كتاب ((رحلات بحرية على امتداد شواطئ البحر الأحمر)) أن القرفة الصينية قد نقلت إلى بلاد العرب في غضون القرن الأول[20]، فسماها العرب "دار صيني" أي شجرة الصين" تبعا للفرس للتأكد من أنها واردة من الصين. ولم تكن القرفة تستخدم في الطب فحسب، بل ظلت أهم مادة خام في صناعة كريم الوجه والعطور. وكان تجار الترانزيت يبيعون القرفة للتجار اليونان والرومان دون أن يفوهوا بحرف عن موطنها، فظن اليونان والرومان لفترة طويلة من التاريخ أن جزيرة العرب هي موطن القرفة. وكان الكافور الصيني يصدر إلى بلاد العرب، ويستخدم فيها كمادة طبية أو شرابا مرطبا. وكان المسك وعود الند وزنجبيل قاوليانغ مدرجة هي الأخرى في العقاقير الطبية الصادرة إلى البلاد العرب[21].

      والطب الصيني التقليدي هو التراث الآخر الذي نقل إلى بلاد العرب، والطريقة الصينية التقليدية في جس النبض واضحة الأثر في كتاب ((القانون في الطب)) لعلامة الطب العربي ابن سينا[22].

 

      الورق والطباعة والبوصلة والبارود

      إن الورق والطباعة والبوصلة والبارود هي المخترعات الصينية الأربعة التي ملأت شهرتها أصقاع المعمورة، وتعتبر أعمظم إسهامات قدمتها العلوم والتقنية الصينية للحضارة العالمية.

      والورق من اختراع تساي لون الصيني عام 105 الذي يصادف العام الأول من فترة شينغ يوان من عهد أسرة هان الشرقية في الصين. وقد نقل إلى آسيا الوسطى من سينكيانغ في أواسط القرن السابع[23]. ولعل مطلع القرن الخامس هو بدء تاريخ صناعة الورق في سينكيانغ التي كانت أول محطة في نقل الورق إلى الغرب، ووصل الورق إلى بلاد العرب في أيام بني أمية.

      وفي عام 751 أسر العرب في حملة طرّاز بعض الجنود الصينيين الماهرين في صناعة الورق، فنقلوا هذه الصناعة إليهم. وقد ذكر هذا الحدث في كل من كتاب ((رحلة إلى الويغور)) الذي ألفه الكاتب العربي تميم بن بحر (Tamim Ibn Bahr) في النصف الأول من القرن التاسع، وكتاب ((لطائف المعارف)) للثعالبي، وكتاب ((تاريخ الهند)) للبيروني (973-1050).

      أنشأ العرب مصنع الورق في سمرقند قبل أي مكان آخر[24]. وفي عامي 793 و794 أنشأ هارون الرشيد أول مصنع ورق في بغداد، ثم تتابع إنشاء مصانع الورق واحدا بعد الآخر في تهامة ودمشق وطرابلس وحماة وغيرها من الأماكن. وكان الورق المصنوع في سمرقند يتمتع بشهرة عظيمة لجماله وخفة وزنه، لذلك ظل من أهم صادراتها إلى أوربا طيلة عدة قرون. وكان الورق الدمشقي جيد النوعية، وسمي في أوربا "Charta damascena"[25].

      لقد هيأ العرب بإنشائهم مصانع الورق الظروف الملائمة لتعميم استعماله. وقد أصدر جعفر بن يحيي البرمكي وزير هارون الرشيد أمرا لجميع الدواوين الحكومية باستعمال الورق بدل القراطيس البردية والرقوق. ومع انتهاء القرن العاشر، كان الورق قد تعمم، وحل محل القراطيس البردية والرقوق في العالم الإسلامي كله بسبب ثقل وزنها وتعذر الكتابة عليها أولا وحفظها ثانيا. وأقدم المخطوطات العربية المكتوبة على الأوراق والتي لا تزال محفوظة إلى اليوم هي ((غريب الحديث)) الذي ألفه أبو عبيد الهروي، القاسم بن سلام في القرن التاسع، وهي محفوطة الآن في مكتبة جامعة ليدن[26].

      نقلت صناعة الورق إلى أوربا عبر الشمال الإفريقي والقسطنطينية. وكان مصنع الورق في مصر قد أنشئ عام 900 تقريبا، ثم أنشئ في المغرب عام 1100، وفي الأندلس عام 1150. وبعدها أنشئت مصانع الورق في مختلف الدول الأوربية. وأول مصنع ورق شهده العالم المسيحي هو ما أنشأه جان مونغولفير الفرنسي في فيدالون عام 1157، وقد سبق لهذا الرجل أن وقع أسيرا في يد العرب، وتعلم صناعة الورق في دمشق[27].

      والطباعة الوثيقة الارتباط بصناعة الورق هي من الاختراعات الصينية العظيمة أيضا. وقد انتقلت إلى أوربا عبر غربي آسيا، وربما انتقلت إلى مصر في غضون القرن العاشر.

      إن نقل صناعة الورق والطباعة من الصين إلى الغرب قد مهد الطريق لنشر العلوم والحضارات وتبادلها، ودفع تطور الحضارات العربية إلى الأمام بقوة عظيمة، وأسهم إسهاما عظيما في نشوء نهضة أوربا في الفنون والأدب.

      لقد ابتكرت الصين "جهاز عباد الجنوب" من الحديد المغناطيسي في القرن الثالث قبل الميلاد. وفي عهد أسرة سونغ الشمالية الموافق للقرن الحادي عشر للميلاد استطاعت أن تصنع بوصلة على صورة سمكة (صفيحة حديدية ممغنطة على صورة سمكة) أو على صورة إبرة، واستخدمتها في الملاحة. وقد ورد ذكر استخدام البوصلة في الملاحة في كل من ((أحاديث بينغتشو)) بقلم تشو يو، و((رحلتي إلى كوريا عند بعثي رسولا إليها في فترة شيوان خه)) بقلم شيوي جينغ. وما بين أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر نقلت البوصلة إلى بلاد العرب، فسموها "حلقة الإبرة" أو "بيت الإبرة"، حيث كانوا يضعون الإبرة المغناطيسية فوق شريحة خشب عائمة على وجه الماء، للاستدلال بها على الاتجاهات.

      وفي عام 1180 نقلت البوصلة من بلاد العرب إلى أوربا.

      وقد فتحت البوصلة صفحة جديدة كل الجدة في تاريخ ملاحة العالم، فقد يسّرت ملاحة العرب إلى حد بعيد، كما ساعدت على ظهور عصر الملاحة. وقد حدث في التاريخ أن بحث الأوربيون عن خط بحري جديد، وقد كان كل من اكتشاف كريستوف كولومبس أرض أمريكا عام 1492، ونجاح فرديناند ماجلان في رحلته حول العالم في القرن السادس عشر، متوقفة على استعمال البوصلة.

      والبارود من اختراع الصين في عهد أسرة تانغ. وقد استخدمته الصين في صناعة السلاح الناري في عهد أسرة سونغ، وحققت مزيدا من التقدم في صناعته في عهد أسرة يوان. أما العرب فكان لهم نوع آخر من السلاح الناري على شكل وعاء محشو بوقود غير البارود يدعى "النار اليونانية". وفي النصف الأول من القرن الثالث عشر نقلت صناعة البارود إلى بلاد العرب على يد التجار عبر الهند. وكان العرب يسمون الملح الصخري – المادة الأساسية في البارود – "الثلج الصيني" للدلالة على أنه وارد من الصين. وقد استفادت القوات المنغولية من السلاح الناري استفادة عظيمة في الحملة الغربية التي شنها هولاكو، إذ كانت تفتح به المدن وتستولى على الأراضي إلى أن أسقطت بغداد عام 1258. ونقل المنغوليون السلاح البارودي وفن صناعته إلى بلاد العرب، فتعلم الأوربيون وفي مقدمتهم الأسبان صناعة البارود والسلاح البارودي وطريقة استعماله من العرب[28]، فدكوا به حصون الأرياف الأوربية، ودقوا جرس نعى الإقطاعية الأوربية، الأمر الذي عجل التقدم الاجتماعي الأوربي.

      إن العرب ، إذ تقدمت في مسيرة تطور حضارتها المميزة وراء تقديم إسهامات عظيمة للعالم ، ساعدت الصينيين على نقل اختراعاتهم الثلاثة إلى أوربا ، فلم تلبث أن تحولت إلى وسائل لازمة لنهضة العلوم ودافع جبار لتطور القيم الأدبية . إن المسيرة التاريخية التي قطعتها الأمتان الصينية والعربية في تنمية علاقة الصداقة بينهما هي نفس المسيرة المشرقة التي قدمتا عبرها إسهامات عظيمة في تقدم الحضارة البشرية جمعاء .


[1] راجع العباس أحمد بن محمد المقري (1591- 1631): ((نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب)) ليدن، 1855، جـ 1، ص 144، و((تاريخ العرب)) ص 578.

[2] تشانغ جي: ((كلمات في ليانغتشو)) من ((أشعار تانغ الكاملة))، جـ 27.

[3] ب · ك · هيتي: ((تاريخ سوريا)) - ((History of Syria)): P.K.Hitti.Lodon,1951 - ص 388 - 389.

[4] ((أخبار الصين والهند))، الطبعة الصينية ص 101.

[5] لوسي بولنويف (Luce Boulnoif): ((طريق الحرير))، ترجمة قنغ شنغ، دار الشعب للنشر في سينكيانغ، عام 1982، ص 135.

[6] (Baldaquins) يعود أصلها إلى (Bagdad).

[7] ((مدخل تاريخ العلوم))، جـ 2، ص 56 - 57.

[8] ((أخبار الصين والهند))، الطبعة الصينية، ص 15.

[9] ((رحلة ابن بطوطة))، جـ 2، ص 247.

[10] راجع مكامي جينان: ((طريق الخزف الصيني))، ترجمة لي شي جينغ وقاو شان مي، دار الآثار للنشر عام 1984.

[11] هي رموز منغولية جديدة مكتوبة بالأبجدية التبتية من ابتكار باغسبا أستاذ الإمبراطور في عهد أسرة يوان، وقد ألغيت هذه الرموز بعد انقراض أسرة يوان.

[12] هي مدينة تاريخية أنشأها العرب بعد أن فتحوا مصر عام 641، ثم عفت عليها الأيام، ولم يبق منها إلا موقعها الأثري في الجزء الجنوبي من القاهرة حاليا.

[13] راجع شيا ناي: ((أواني الخزف الصيني التي بقيت دلائل أثرية على الاتصالات القائمة بين الصين وأفريقيا في العصور القديمة))، ((الآثار التاريخية)) عام 1963، عدد 1.

[14] هونغ قوانغ تشو: ((أواني الخزف الصيني المشهور في أرجاء العالم))، راجع ((إنجازات الصين في العصور القديمة في مجالات العلوم والتقنية)).

[15] ((تاريخ العرب))، ص 631.

[16] راجع زكي محمد حسن: ((ثناء العلماء المسلمين على الفنون الصينية))، ترجمة ما جي قاو، في مجلة ((المسلمون في الصين)) عام 1983، عدد 2.

[17] ((رحلة ابن بطوطة))، جـ 2، ص 249.

[18] ((موسوعة الأنظمة))، جـ 193، مادة داشي، اقتباسا من ((مذكرات في ديار الغربة)).

[19] خالد الجادري: ((لمحة عن الفن العراقي))، ترجمة ناجون، دار النشر لفنون الشعب، عام 1962، ص 18- 19.

[20] نقلا عن ((طريق الحرير))، ص 51.

[21] ((الممالك والمسالك)) ص 69- 70.

[22] راجع ما تشان ون: ((جسّ النبض ومراقبة الخفقان – أحد المنجزات البارزة للطب الصيني التقليدي في العصور القديمة)) المنشورة في ((منجزات الصين في مجالات العلوم والتقنية في العصور القديمة)).

[23] لوفير: ((الصين وإيران)) – -B.Laufer: ((Sino-Iranica)) Chicago,1919 ترجمة لين جيون ين، دار الشؤون التجارية للنشر عام 1964، الطبعة الصينية ص 393.

[24] راجع ((الفهرست)) ص 32، وراجع أيضا W.Barthold: ((Turkestan Down to the Mongol Invention)),Oxford,1928,P236-237.

[25] T.F.Carter: ((The Invention of  Printing in China and Its spread Westward)),New York,1955.P.135.

[26] ((تاريخ العرب)) ص 347.

[27] ((اختراع الطباعة في الصين ونقلها إلى الغرب))، ص 136.

[28] تشو جيا هو: ((البارود والسلاح البارودي))، راجع ((منجزات الصين في مجالات العلوم والتقنية في العصور القديمة)).

[ 回到首页 ]