الصين مدرسة لها ما يميزها عن المدارس التقليدية الاخرى ، خاصة صين ما بعد الاصلاح والانفتاح التي طرقت ابوابا لم يطرقها احد من قبل ، وابتكرت من المعارف والمفاهيم في العلوم الاجتماعية بما دعم السلام والاستقرار العالميين وساهم في التقدم الاقتصادي والرخاء الاجتماعي للبشرية .. فعلى المستوى الوطني والدولي ، الكثير من الوقائع والمعطيات الموضوعية التي تؤكد مدى استفادة الشعب الصيني وشعوب العالم من التنمية الصينية ، وقد تطرقت للبعض منها في الفصول السابقة .. كأجنبي عاش في الصين كل تلك الفترة الطويلة ، عاصر فترة الثورة الثقافية بكل ما فيها من فقر وتخلف وفترة الاصلاح والانفتاح بكل ما فيها من تقدم ورخاء ، دائما ما اتخذ من العبر والدروس التي استقيتها لنفسي للمقارنة بين الفترتين اللتين لا زالتا حتى الاّن عالما يكتنفه الاسرار .. وكوني صاحب قضية عدالتها من عدالة السماء جئت الى هذا البلد الصديق حاملا برناج عمل واهداف محددة ولفترة محدودة ايضا ، الا ان الاقدار شاءت بأن أعيش مع هذا الشعب الودود اربعة عقود بيسرها وعسرها ، وان ارافق نموه وتطوره في تجربة رائدة لم يعرفها التاريخ ، فبعيدا عن المراجع العلمية والفلسفية اود ان اتناول مبدأ " التمسك بالمباديء واظهار اكبر قدر من المرونة " لما حققت به الصين من معالجة لاكثر القضايا خطورة وتعقيدا خلال العقود الثلاثة الماضية .. طبعا لهذا المبدأ خلفيات ترتكز على ان السلام والتنمية هما سمات العصر الراهن ، والذي يفرض بدوره تغليب الوسائل السلمية والتفاوضية في حل النزاعات ومعالجة الشؤون الدولية على اساس المساواة والمنفعة المتبادلة .. الخ ، على الرغم من ان نزعة الهيمنة والتفرد لا زالت قائمة الا ان الصين استطاعت بسياستها الخارجية السلمية والمستقلة وبديناميكية دبلوماسيتها المبادرة استعادة هونغ كونغ ومكاو واقناع العالم اجمع بحتمية اعادة توحيد الوطن وعودة تايوان الى احضان الوطن الام وعليه اقامت علاقات دبلوماسية مع الغالبية العظمى من دول العالم ، ويمكن القول بأن هذه الانجازات كان من الصعب تحقيقها بسياسة التقوقع والانغلاق التي كانت قائمة ابان الثورة الثقافية .. الخيار العسكري لم يعد الوحيد لمعالجة القضايا الدولية والاقليمية وحل النزاعات بين الدول ، ولم تعد البندقية وحدها منبع السلطة وصانعتها .. الصين اعلنت امام الملأ ، وتعهدت للمجتمع الدولي في العمل على حل قضية تايوان بالطرق السلمية ، الا انها لم تسقط خيار القوة في حالات محددة ، كاعلان تايوان لاستقلالها او التدخل الاجنبي في شؤونها .. اي ان الشرعية والحقوق بحاجة الى قوة تدعمها وهذا ينطبق ايضا على المفاوضات والحوار والمشاورات .. وهذا بالضبط هو السبب وراء اخفاقات عملية السلام في الشرق الاوسط .. فالمنطق الاعوج ، المدعوم عسكريا ، لاسرائيل وامريكا هو العائق الذي يحول دون تحقيق السلام العادل والدائم في منطقة الشرق الاوسط ..
ففي صباح يوم من ايام صيف 1998 ، ابلغتني السكرتيرة روان بأن دائرة الاتصالات الخارجية للحزب الشيوعي الصيني اتصلت بنا هاتفيا وأبلغتنا بأن الوزيرة لي شو جين رئيسة الدائرة ستغادر مطار بكين في تمام الساعة " الثامنة " من صباح يوم " كذا " لزيارة فلسطين ، وستتم مراسم التوديع في غرفة الضيافة رقم " كذا " لكبار المسؤولين في المطار .. طلبت من السكرتيرة الاستيضاح عما اذا كانت الوزيرة ستزور دولا اخرى في جولتها المرتقبة .. نعم معلوماتي كانت صحيحة بحيث أبلغنا بانها ستقوم ايضا بزيارة كل من مصر والاردن وسوريا ولبنان واسرائيل .. وجود السفيرة الاسرائيلية انذاك في قاعة صغيرة مع السفراء العرب لم يكن محبذا بالنسبة لي لاعتبارات عديدة منها : على الرغم من الاعتراف المتبادل الذي تم بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية ، وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية ووجود مفاوضات بين الطرفين اّنذاك ، الا ان السفارة الاسرائيلية في بكين ظلت على عداء ومقاطعة للسفارة الفلسطينية معتبرة السفير الفلسطيني هو سفير لدولة فلسطين غير المعترف بها اسرائيليا ، علما بأن سفير دولة فلسطين هو ممثل المنظمة والسلطة في اّن واحد .. المشكلة ليست هنا ، كون المقاطعة من قبل عدو محتل لارضنا وشعبنا يبعث الى الفخر والاعتزاز ويعكس صحة وسلامة عملي وتصرفاتي ، المشكلة انني وضعت امام خيارين احلاهما مر .. فالدعوة اتت من الجانب الصيني ، والوزيرة ستقوم بزيارة لفلسطين ، فلا بد لي ،كسفير لفلسطين ، الا وان اكون على رأس المودعين هذا من جانب ، ومن جانب اّخر لا اريد وان يسجل علينا موقفا في حال عدم مشاركتنا في هكذا حدث .. اخذت قرار المشاركة على ان اكون اول من يصل قاعة الشرف المعدة ، حتى لا أتجنب المصافحة مع من سبقني واعفي نفسي من اي احراجات محتملة .. بالفعل وصلت القاعة قبل نصف ساعة من الموعد المحدد .. طبعا نصف ساعة في العرف الدبلوماسي تعني دهرا .. ما أن فتحت المضيفة باب صالة الشرف الا وانا وجها لوجه مع السفيرة الاسرائيلية التي تتوسط كوادر الحزب المقربين جدا جدا لي ، وهذا ما لم يكت في الحسبان ، ترددت لبرهة ، واذ بها تترجل وتتجه نحوي فاتحة ذراعيها مرحبة ( طبعا هي في الستين من العمر ) .. نعم انها حركة دبلوماسية ذكية امام قادة وكوادر الحزب الشيوعي .. تعمدت السفيرة الاسرائيلية ملاحقتي بعبارات المجاملة الى ان جلست وجلست بجانبي ، اعترف بأنني كنت مضطربا بعض الشيء لدرجة انني لم احيي الاصدقاء من الصينيين المتواجدين في تلك الصالة الصغيرة .. السفيرة لم تتوقف تكف عن الحديث وبصوت يزداد ارتفاعا ، ورددت سائلة " كيف صحتك سعادة السفير ؟ " ، لم تنتظر مني الجواب متابعة " اعرف انك تتحدث اللغة الصينية بطلاقة ، وانك رئيس اللجنة الاعلامية العربية .. نحن الاسرائيليون تواقون للسلام والعيش جنبا الى جنب مع الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة " ، تتحدث وكأنها من دعاة السلام الحريصة على حقوق الشعب الفلسطيني والمطالبة بانصافهم ، حديثها كان معسولا يلذ للصينيين سماعه.. بدأت بالفعل اصغي الى ما تقول وأجيب مفندا البعض ومعريا زيف الادعاءات والاباطيل ، وداعيا الى سلام حقيقي يضمن للجميع العيش بسلام .. الصينيون يتابعون ويستمعون بكل اهتمام ، وكأن مفاوضات فلسطينية اسرائيلية تدور في بكين .. بدأت اّخذ المبادرة ، خاصة عندما بدأت السفيرة تتحدث بلغتها الاحتلالية وتكشف عن طبيعتها الحقيقية ، فلم اعد افكر بمن يجلس حولنا ولا بالسفراء العرب الذي حان وقت وصولهم القاعة ..
وعندما تطرقت بنوع من الارتباك والانفعالية الى " القدس عاصمة ابدية لاسرائيل .. " ، قاطعتها بكل تواضع منوها الى انها كانت من قليل تتحدث بود وهدوء قائلا " الوضع ليس كذلك والعكس هو الصحيح ، القدس يجب ان تكون العاصمة الابدية لدولة فلسطين ، الا اننا نحترم الاتفاقيات الموقعة الداعية الى تأجيل الحديث عنها .. " وما كان مني في نهاية الحديث ، الا وان اوجه لها هذا السؤال " اتعرفي من اين أنا ؟ " طبعا هي لا تعرف تابعت قائلا " أنا من حيفا " ، وهناك الملايين من الفلسطينيين امثالي ينتظرون العودة الى ديارهم .. طبعا اعلم ان السفيرة من المهاجرين لاسرائيل .. وهكذا انتهى الحديث الذي دام ما يقرب الخمس عشر دقيقة
القضية الفلسطينية شريان دمي ، واكسجين هوائي ، اننا نعيش في عصر المصالح والتكتلات الاقليمية ، نعيش في عصر القوة والغطرسة ولا مكان للضعيف فيه .. اعي جيدا عمق العلاقات الفلسطينية الصينية ، واجزم في مبدئية وثبات السياسة الصينية الداعمة للحق والعدل الفلسطيني، الا ان عراقة الصداقة وقوة العلاقات السياسية والدبلوماسية لا تكفي لمواجهة التحديات التي تمليها العولمة .. فلا بد من تعزيزها وترسيخها بالتعاون الاقتصادي والتجاري القائم على اسس المنفعة المتبادلة ، خاصة وان نصر القضية الفلسطينية بات معيار العلاقات العربية مع دول العالم ، وجوهر الصراع في الشرق الاوسط .. دلت الحقائق التاريخية بانه لن يكون اي سلام شامل ودائم في منطقة الشرق الاوسط دون استرجاع الشعب العربي الفلسطيني لحقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف والتي اكدتها هيئة الامم المتحدة ، وبدون السلام والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط لن يكون هناك لا سلام ولا استقرار في العالم اجمع .. نعم ، لقد اثبت الشعب الفلسطيني قدرته على المضي بالثورة حتى النصر من خلال نضاله الدؤوب وتضحياته الجسام ، واعي جيدا انه العامل الاساسي في هذه المعادلة ، الا ان الفضاء العربي في غاية الاهمية لنا على الساحة الدولية .. وهذا ما انتهلتهه من التجربة الصينية ، فقد بدأ الزعيم دنغ شياو بنغ بتنظيم وترتيب البيت الصيني من الداخل للانطلاق بقوة وصلابة نحو المحيط والخارج . فالوحدة الفلسطينية هي المقرر والعمل العربي المشترك هو الاساس ، الصين دولة صديقة دائما ما تدعو الى الوحدة والتضامن العربي .. فعلى مستوى العلاقات السياسية ظللنا نتبادل الدعم والتأييد لقضايانا العادلة في المحافل الدولية ، وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني ، وقضية تايوان ، بينما بدأت العلاقات الاقتصادية والتجارية تطورا سريعا ، وعاد النفط العربي المصدر للصين يشكل نصف الواردات الصينية في ظل ازدياد الطلب على هذه المادة الاستراتيجية الخامة مع النمو الاقتصادي الصيني السريع ..
back next