و موقف الصين في القضايا الإقليمية والدولية
اليوم تطل علينا الصين بعد عقدين ونيف من الاصلاح والانفتاح بحلة جديدة من النمو والتطور ، محققة ارقاما قياسية في جميع اوجه الحياة على المستويين الاقليمي والدولي ، ومدخلة مفردات ومضامين جديدة على القواميس والمعاجم السياسية والاقتصادية والتقنية والاجتماعية والعسكرية الدولية .. فقد اثبتت سياسة الاصلاح والانفتاح فعاليتها ونجاحها ، بحيث نقلت الصين من دولة متخلفة اقتصاديا لتسير بها رويدا رويدا الى عداد الدول المتقدمة ، وقد ظهر ذلك جليا على حياة الشعب الصيني ورفعة حياته المعيشية ، ودور الصين الحيوي في تنشيط الاقتصاد الاقليمي والعالمي ، وفي ارساء دعائم جديدة للحفاظ على السلام والاستقرار العالميين ، والتنمية المشتركة للبشرية ، وادخلت العالم الى طريق تسوده وتحكمه التعددية القطبية ، واقامة نظام أمني يقوم على العدل والمساواة وضمان الامن للجميع ، ونظام دولي اقتصادي وسياسي جديد يسوده العدل والمعقولية .. ان كل هذه المباديء تتنافى ومنطق التفرد والهيمنة وسياسة القوة .. لذا لا غرابة وان تتعرض الصين الى ازعاجات وعراقيل وتحديات التي من شأنها الحد من تقدمها ونهضتها ، والامثلة كثيرة على ذلك ، فعلى الصعيد الداخلي تحاول قوى الهيمنة خلق متاعب للصين في مسألة حقوق الانسان والديمقراطية وتايوان والتبت وخلق الاحتكاكات التجارية وتضخيم وتهويل القوة العسكرية الصينية ، وتحاول الحد من تأثيرها الدولي ، واشراكها في بعض القضايا الاقليمية الهامة ،كخارطة الطريق الرباعية في منطقة الشرق الاوسط ، التي تشارك فيها هيئة الامم المتحدة وامريكا وروسيا والاتحاد الاوروبي ، اي جميع الدول دائمة العضوية في مجلس الامن الدولي عدا الصين .. الا ان الصين ، اكبر دولة نامية في العالم ، تمتلك كل موقمات الصمود والتغلب على كل التحديات الماثلة امام نهضتها وتقدمها .. فخلال فترة زمنية قصيرة ، وبالتحديد من عام 1978 حتى عام 2004، زاد اجمالى الناتج المحلى للصين من 147.3 مليار الى 1.6494 تريليون دولار امريكى ـ اي بزيادة سنوية 9.4 % .. وزادت تجارتها الخارجية من 20.6 مليار الى 1.1548 تريليون دولار امريكى، اي بزيادة سنوية تعدت 16% . وزاد احتياطى النقد الاجنبى للصين من 167 مليون الى 609.9 مليار دولار امريكى. وانخفض عدد الفقراء فى الريف من حوالى 250 مليونا الى 26 مليونا . وزادت القوة الوطنية الشاملة للصين بصورة ملحوظة ، وشهدت حياة شعبها تحسنا مطردا. ان حقيقة تعاظم القوة الوطنية الصينية الشاملة هو الذي فرض المشاركة الصينية النشطة فى الشؤون الدولية ، التي عكست صورتها كدولة تحس بالمسؤولية تجاه الاسرة الدولية .. ان أل GDP هو البارميتر لقوة الدول ، وقد اصبح أل GDP ألصيني حسب الإحصائيات الوطنية والدولية المعنية يحتل المرتبة الخامسة عالميا ، هذا وسيتجاوز كل من بريطانيا والمانيا و اليابان خلال السنوات العشر القادمة ، بينما سيفوق امريكا ويتربع على عرش العالم خلال الربع الاول من القرن الحالي .. فمع حلول عام 2020، سيصل اجمالى الناتج المحلى للصين الى اربعة اضعاف ما كان عليه عام 2000 ، اي ما يقارب 4 تربليون دولار امريكى بحيث يصل مستوى نصيب الفرد الى حوالى 3 الاف دولار امريكى ..
التحاقي بجامعة بكين كانت نقطة الانعطاف في حياتي وبداية دخولي المجتمع الصيني والتعرف عليه .. كانت تلك الفترة فترة نهضة الشعوب، فحركات التحرر والاستقلال تعم العالم ، في اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية .. والنضال ضد الاستعمار والهيمنة على اوجه .. القوتان الاعظم في صراع وتنافس للهيمنة على العالم .. الصين اكبر الدول النامية انتهجت ومنذ تأسيسها سياسة خارجية سلمية ومستقلة ، كسبت ثقة وصداقة جميع الدول والقوى المحبة للعدل والسلام ، وظلت القاعدة الخلفية الداعمة ، ماديا ومعنويا ، لحركات التحرر ، تناصر الشعوب المضطهدة والمظلومة ، وتقف الى جانب قضاياها العادلة .. الصين الجديدة ظلت صمام امان استقرار العالم وأمنه طوال فترة الحرب الباردة ، وحالت بسياستها السلمية والمستقلة دون نشوب حرب عالمية ثالثة .. ففي الوقت الذي حاولت فيه كل من القوتين الاعظم استمالتها ، ظلت الصين تؤكد على عدم دخولها في اي حلف او تكتل يقلب موازين القوى العالمية .. فظلت تنادي باسقاط الهيمنة الامريكية في الوقت الذي تعارض فيه التحريفية السوفياتية ، وتستنكر تنافسهما في السيطرة على العالم ، وتدعو الى اسقاط النظام الدولي القائم واقامة نظام دولي جديد سياسي واقتصادي عادل ومعقول .. جامعة بكين كانت منهلي العلمي وبنائي السياسي .. فخلال الثورة الثقافية الكبرى لم يتبق في جامعة بكين العريقة بتاريخها الثوري وتربيتها لاجيال من الكفاءات الاجنبية سوى طلبة تلك الدول والشعوب المكافحة المناضلة .. ففي بداية سبعينات القرن الماضي لم تكن تحتضن سوى طلبة فلسطين والبانيا ، فيتنام وكوريا .. نعم عندما تؤكد الصين على سياستها المستقلة ، كانت تنحاز دائما لصالح الحق والعدل في الشؤون الدولية .. لقد ظلت الساحة الصينية حكرا على هذه الشعوب والقوى المحبة للسلام .. فالمهرجانات والاجتماعات والمسيرات الجماهيرية الداعمة لحركات التحرر لم تتوقف في العاصمة الصينية .. مئات الالاف من الصينيين الذين كانوا يتجمهرون حتى في ساحة تيان اّن مين " بوابة السماء " لدعم النضالات العادلة التي تخوضها دول وشعوب اسيا وافريقيا وامريكا الاتينية .. كانت جماهير بكين ، ونحن معهم ، تسطف على جانبي الطريق الضيق والطويل الذي يمتد اكثر من ثلاثين كيلومترا بين المطار وقلب العاصمة ، يحملون الورود ويهتفون " اهلا اهلا بالضيوف الكرام " عند قدوم اي من وفود الدول الصديقة على اي مستوى كان .. كانت تحول زياراتنا التثقيفية الى المصانع والكميونات الشعبية ومعسكرات التدريب الى مناسبات سياسية للتعبير عن دعم الشعب الصيني الى دولنا وقضايانا العادلة .. فعلى الرغم من الوضع الاقتصادي الخانق الذي كانت تمر به الصين في تلك الفترة ، والمستوى المنخفض لمستوى الحياة المعيشية لشعبها ، ووجود مئات الملايين ممن هم تحت مستوى الفقر ، الا انها كانت تشد الاحزمة على البطون اكثر من اللازم لتواصل دعمها المادي للدول والشعوب المناضلة .. فالقطارات المعبئة بالمواد الغذائية والمعدات والتجهيزات العسكرية لم يتوقف توجهها نحو فيتنام طوال العقد الاول من سبعينات القرن المضي .. لنتخيل معا كم حجم تلك المساعدات الخارجية التي كانت تقدمها الصين اّنذاك لحركات التحرر التي كانت تعم العالم .. ولنتذكر معا وصف الرئيس الراحل ماو تسي تونغ للوضع الدولي الذي كان سائدا في تلك الفترة حين قال " الفوضى تعم العالم ولكن الوضع جياش " .. وأنا كفلسطيني اشيد بالدعم المادي والمعنوي الصادقين التي كانت الصين تقدمه لحركات التحرر في ذلك الوقت ، والذي لعب دورا فعالا في استقلال الدول وتحرر الشعوب ، الا ان الشعب الصيني عانى الكثير الكثير نتيجة الثورة الثقافية ، وكان للدعم الصيني وان يكون اكبر واكثر وقعا وفعالية لو كان الاقتصاد الوطني الصيني بعافيته ولم يتأثر كل ذاك التأثير من الثورة الثقافية .. وللدلالة على هذا المنطق ، يمكننا القاء نظرة تفحصية سريعة على الدعم الذي تقدمه صين اليوم ، صين الاصلاح والانفتاح ، صين العلم والتيكنيلوجيا ، الصين القوية للدول والشعوب الصديقة .. فعلى الصعيد المعنوي ، عاد دعم الصين اكثر تأثيرا نظرا لما تتمتع به من مكانة دولية عالية ، وما تلعبه من دور فعال في الشؤون الاقليمية والدولية ، ولا سلام ولا امن ولا استقرار ، وحتى لا تنمية وازدهار لعالم اليوم بعيدا عن مشاركة الصين ودورها ، ومن ناحية اخرى ، ينطبق ذلك على المساعدات المادية ايضا ، حجما وفعالية .. فقد ازداد حجم هذه المساعدات واتسعت مجالاتها ، واخذت منحى دعم البناء الذاتي للدول المتلقية لهذه المساعدات بعد ان كانت مساعدات استهلاكية لا أكثر .. فعلى الرغم من ثبات مباديء السياسة الخارجية الصينية في المرحلتين، الا ان المواقف الصينية ازاء الوضع العالمي الذي كان سائدا اّنذاك ، ومواقفها من القضايا الاقليمية والدولية ، وتطلعاتها في بناء نظام عالمي عادل ومعقول وغيرها من التطلعات التي تصبوا اليها البشرية ، كان من الصعب تحقيقه وهي على تلك الحالة من الركود والتخلف اقتصاديا والانعزال والتقوقع سياسيا ..
ظلت السياسة الخارجية التي انتهجتها الصين الجديدة منارة ومفخرة للشعب الصيني والشعوب العالمية المحبة للسلام .. في هذا الصدد علينا القول بأن السياسة الخارجية مليئة بالماّثر الدبلوماسية والانجازات العظيمة .. ففي اعقاب حرب الافيون عام 1840 ظلت الصين مكبلة باتفاقيات غير العادلة مع الدول المعتدية والمستعمرة التي ابرمتها الحكومات الرجعبية البائدة ، وظل الشعب الصيني يعاني وطأة الاضطهاد الاجنبي البشع ويتذوق مرارة العدوان وهوان المستعمر ، مهان ومسلوب الحقوق الوطنية ، الى ان جاء الحزب الشيوعي الصيني ليأخذ على عاتقه مقاومة العدوان والاضطهاد الاستعمارى ، وتحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية ، وابطال جميع المعاهدات غير المتكافئة وكافة الامتيازات السياسية والاقتصادية للاجنبي المحتل ، و وضع نهاية ابدية للدبلوماسية الخانعة .. قاوم الاحتلال الياباني و حرر البلاد ، وانتصر في الحرب الاهلية التي فرضت عليه ضد الكومنتانع المدعوم اميركيا .. واسس جمهورية الصين الشعبية في الفاتح من اكتوبر 1949 ..
في الدورة السادسة والعشرين للجمعية العامة ، استعادت الصين في الخامس والعشرين من أكتوبر 1971 مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة كعضو دائم العضوية في مجلس الامن الدولي .. لقد احتفل العالم اجمع بذاك اليوم العظيم ، ففي بكين خرجنا الى الشوارع بيافطاتنا وشعاراتنا المؤيدة والمرحبة ، متخذين من ذلك الانتصار انتصارا للعالم الثالث .. فقوة الصين ومكانتها الدولية هي قوة ومكانة للدول النامية ونصرا للحق والعدل والسلام .. ولا يفوتني القول بأن الدول العربية ممثلة في الجزائر كانت قد لعبت مع بقية الدول الاسيوية والافريقية دورا حاسما ومقررا في تحقيق هذا الانتصار .. كما ولا يذهب عن مخيلة أحد ذاك المشهد ل " رئيس وزراء الشعب " حبيب الجماهير جو ان لاي وهو يعقب على ذلك الحدث الهام قائلا بفخر واعتزاز " لقد امتلأت قاعة الامم المتحدة بالايدي الحنطة والسوداء المرفوعة تأييدا للقرار " .. شكل ذلك الحدث الهام نقطة انعطاف في الحياة السياسية الصينية والدولية .. الا ان الثورة الثقافية حالت دون لعب الصين لدورها الذي كان يجب عليها لعبه ، وأثرت سلبا على مكانتها وعلى القيام بمسؤوليتها وواجباتها الدولية كاحدى الدول الخمس صاحبة الأمر والنهي في الشؤون الاقليمية والدولية .. فلا يمكن للصين ان تلعب دورا فاعلا في الخارج دون مقومات داخلية .. فعلى الرغم من صحة وفعالية السياسة الخارجية التي تنتهجها الصين ، والتأييد الدولي العارم لها ، الا ان التخلف الاقتصادي وفوضى الثورة الثقافية ، ومحاصرة الصين بأسلاك شائكة والغام موقوته مع كل جاراتها من الدول قد حال دون لعب الصين لدورها كدولة دائمة العضوية ، خاصة في عالم لا مكانة فيه للضعفاء .. الا انها استطاعت بسياستها الخارجية السلمية والمستقلة ، وعدم دخولها في احلاف وتكتكلات ، من انقاذ العالم وتجنيبه من كوارث وويلات حرب عالمية ثالثة .. فقد صمدت امام محاولات الترغيب والترهيب المزدوجة من قبل الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الاميركية ..
ومع تعمق سياسة الاصلاح والانفتاح ، والانجازات التي حققتها الصين في جميع نواحي الحياة السياسية والاقتصادية والعلوم والتكنيلوجيا ، وتماشيا مع الظروف الدولية المستجدة ، قررت الصين الاندماج في النظام الدولي القائم ، والعمل على تغييره الى نظام دولي سياسي واقتصادي عادل ومقبول ، متمسكة بالمباديء ومظهرة قدرا كاف من المرونة في دبلوماسيتها وتعاملها مع الشؤون الدولية ، حيث ظلت تدعو إلى لغة الحوار والعقل ، والتشاور المتكافيء في معالجة العلاقات بين الدول وتسوية الخلافات الاقليمية والدولية ، وتعارض نزعة التفرد ومقاومة الهيمنة ورفض سياسة القوة .. وتدعو الى إقامة نظام دولي أمني يكفل أمن كل دولة، وليس أمن أمريكا والدول التابعة لها، رافضة هيمنة القطب الواحد وفكرة تنصيب احد كشرطي دولي ، ودفع العالم نحو التعددية القطبية .. داعية هيئة الأمم المتحدة الى لعب دور ريادي في الشؤون الدولية .. لقد استطاعت الصين ، وفي فترة زمنية خيالية لم تتجاز العقدين من الزمن ، ان تثبت لشعبها والعالم اجمع صحة وفعالية سياسة الاصلاح والانفتاح المبتكرة .. فقد تبناها الشعب الصيني ورفدها بكل طاقاته نظرا لما اعادته عليه من منافغ موضوعية ، وارتقت بمستوى حياته المعيشية ، وممارسته للديمقراطية و حرياته الاساسية ، الى مرحلة من افضل مراحلها التاريخية .. فعلى سبيل المثال لا الحصر ، كان الدخل السنوي للفرد ابان الثورة الثقافية لا يتعدى المائة دولار اميركي بينما يتعدى الاّن الالف دولار اميركي .. وهكذا انطلقت الصين نحو لعب دور اكثر تأثيرا في الشؤون الاقليمية والدولية مع تعاظم نموها الاقتصادي ..
عندما نقول ثبات السياسة الخارجية الصينية وتواصلها ، لا نعني على الاطلاق بأنه لم يطرأ اي تغيير على الدبوماسية الصينية ، بالعكس ظلت الدبلوماسية الصينية حيوية نشطة تتعامل مع المستجدات بكل ايجابية ومرونة .. فمبادئها مقدسة ، بينما اساليب حمايتها والدفاع عنها وتحقيقها حيوية متنوعة .. فمثال ذلك ، ظلت الصين تنتهج سياسة خارجية سلمية مستقلة اّخذة بزمام المبادرة ، لقد طبقت هذه السياسة منذ تأسيس الصين الجديدة ، ولا زالت حتى اليوم .. ظلت الصين تعتبر النظام الدولي القائم غير عادل وغير معقول ، ولا زالت حتى الان تعتبر ذلك وتنادي باقامة نظام دولي عادل ومعقول .. الخ . كانت الصين الضعيفة اقتصاديا تنادي باسقاط النظام الدولي القائم بعيدا عن المشاركة فيه ، الا انها اليوم تنادي في تغييره وهي منخرطة بقوة فيه .. ظلت الصين في ستينات وسبعينات القرن الماضي ترفع الشعارات دون احداث افعال ملموسة على الارض .. من الشعارات الدارجة في تلك الحقبة " تسقط الامبريالية الاميركية " ، " الامبريالية نمر من ورق " ، " تسقط التحريفية السوفياتية " .. الخ .. بينما دبلوماسية الصين القوية اليوم ، والتي تؤدي الى نفس الغرض تقول .. " لا للهيمنة " ، " لا للامبريالية " ، " لا لنزعة التفرد " ، " لا للضربات الوقائية والاستباقية " ، " نعم للحوار والتشاور المتكافيء " ، " نعم للسلام والتنمية والازدهار المشترك " .. الخ مطبقة ذلك في مواقفها ونشاطاتها في الشؤون الدولية وتعمل في إطار المحافل الدولية على تثبيت هذا المفهوم الجديد، الامر الذي لاقى استجابة عارمة من غالبية دول العالم .. يوم واحد لا يكفي لخلق عالم جديد، ولكن مع تطور هذا التوجه ، بكل تأكيد، سيتم خلق عالم جديد أكثر استقرارا ..
تتخذ الصين اليوم زمام المبادرة فى حلبة المنافسة الدولية التى تشتد رحاها يوما بعد يوم ، والحافلة بالتناقضات الدولية المعقدة و المتقلبة , لدفع عملية بناء نظام دولى اكثر عدالة ومعقولية .. عملت الصين جاهدة على التمسك بـ والدعوة الى الالتقاء مع بلدان العالم على اسس : توسيع نقاط الالتقاء معها والتحفظ على نقاط الخلاف وتجميدها ؛ والتوصل الى رؤى مشتركة على اساس التعددية القطبية ؛ وتوثيق عرى التعاون على ارضية الكسب المشترك ؛ ورفع راية السلام و التنمية و التعاون ، ومعالجة بشكل سليم وملائم العلاقة بين المحافظة على المصالح الحيوية للصين من جهة ، ودفع وتعزيز المصالح المشتركة للبشرية من جهة اخرى . أما بالنسبة للتعددية القطبية والنزعة وحيدة الجانب ، فان العنوان الرئيسي لعصرنا الراهن هو السلام والتنمية ، وان نزعة الهيمنة تشكل تهديدا للسلام والتنمية .. العالم كله لا يحب الهيمنة ويعارضها ، ويدعو الى التعددية القطبية ، ويدعو الى دمقرطة العلاقات الدولية .. وتشارك الصين كعضوة دائمة بمجلس الأمن الدولي في حل المشاكل الدولية والاقليمية الساخنة بطرق الحوار والتشاور حتى أصبحت دعامة لحماية السلام العالمي والاستقرار الاقليمي ..
وأمام سلسلة من المشاكل الاقليمية الساخنة كمشكلة الشرق الأوسط ومشكلة الخليج ومشكلة العراق والمشكلة النووية في شبه الجزيرة الكورية ، ظلت الصين تتمسك بحماية دور الأمم المتحدة ومرجعيتها، وتلتزم بسياسة عادلة ومتوازنة وتدعو مختلف الأطراف الى حل النزاعات سلميا عبر الحوار ..
اشار دنغ شياو بنغ قبل عدة سنوات " اننا نثابر على انتهاج سياسة خارجية سلمية ومستقلة ، لا نشارك في اي من الاحلاف ، نتصل مع الجميع ونصادق الجميع ، ونعارض من يقوم في الهيمنة ويسلك طريقها ، ونعارض كل من يعتدي على الاّخر ، اننا نقول العدل والحق ، ونمارس ما نقول "
الصين كأكبر الدول النامية ، وكعضو دائم العضوية في مجلس الامن الدولي، تتحمل مسؤولية كبيرة تجاه الامن والسلام العالميين .. وانخراطها في النظام الدولي القائم حتم عليها التعامل مع انظمة وقضايا ودول لم تكن تتعامل معها من قبل .. فاذا ما ارادت ان تلعب الدور الذي تفرضه قوتها ومكانتها في الشؤون الدولية ، وللعب دور اكبر في مسألة الشرق الاوسط ، والمسألة النووية في شبه الجزيرة الكورية مثلا ، كان عليها الاعتراف باسرائيل وجمهورية كوريا الجنوبية ..
فعلى صعيد مشكلة الشرق الاوسط ، كثيرون ممن كانوا يعتقدون ان ذلك تراجعا في الموقف الصيني من القضية الفلسطينية التي ظلت تحظى بالدعم والتأييد الرسمي والشعبي على مدار العقود الطويلة الماضية ، وخروجا عن الروابط التاريخية والعلاقة التقليدية التي تربطها مع العالم العربي .. لقد مضى ما يقارب الخمس عشر عاما على اقامة العلاقات الدبلوماسية الصينية الاسرائيلية ، الا ان الموقف الصيني السياسي من القضية الفلسطينية ازداد رسوخا وثباتا ، ويؤكد على ضرورة استعادة الشعب الفلسطيني لكافة حقوقه الوطنية المشروعة بما في ذلك حقه في اقامة دولته الفلسطينية المستقلة ، ومساعداتها الاقتصادية للشعب الفلسطيني ازدادت كما ونوعا مع ازدياد نموها الاقتصادي ، ومواقفها الداعمة للقضية ازدادت تأثيرا مع تعاظم مكانة الصين الدولية .. ظلت الصين داعمة مؤيدة لاحلال سلام دائم وشامل في منطقة الشرق الاوسط يقوم على اساس قرارات هيئة الامم المتحدة ومبدأ الارض مقابل السلام والذي يضمن للشعب الفلسطيني استعادة حقوقه الوطنية المشروعة .. وتلعب دورا متصاعدا في دفع عملية السلام في الشرق الاوسط .. الدور الصيني العادل والنزيه مرحب به من قبل جميع الاطراف بما فيها اسرائيل .. وطالبتها بلعب دور اكبر في حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي .. فقد عينت الحكومة الصينية مبعوثا خاصا لها لشؤون الشرق الاوسط الذي قام في العديد من الزيارات المكوكية من أجل إخراج عملية السلام بالشرق الأوسط من مأزقها وإعادة خارطة الطريق الى مسارها الصحيح .. وفي المسألة العراقية وقفت االصين ضد استخدام القوة ، وضد سياسة المبادرة بالضرب ، وضد الخروج عن هيئة الأمم المتحدة والتصرف المنفرد ، ووقفت ضد احتلال العراق ..وظلت تدعو إلى سرعة انسحاب القوات الأمريكية والأجنبية من العراق ، وتدعو إلى ضمان واحترام سيادة العراق ووحدة أراضيه ، والى سرعة تسليم السلطة للعراقيين وتمكينهم من حكم بلادهم بانفسهم ، وإلى سرعة اعادة الأمن والاستقرار في العراق .. وفي عملية السلام وإعادة البناء أبدت الصين تأييدها لأعمال الحكومة العراقية المؤقتة وقدمت لها معونات انسانية وكانت في مقدمة الدول التي أعادت فتح سفاراتها لدى العراق، كما شاركت الصين الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في مساعدة العراق على إجراء الانتخابات العامة .. حيث لاقى هذا الموقف الايجابي والدور الفعال الاحترام والتقدير من قبل الشعب العراقي والشعوب العربية .. وفي مسألة دارفور السودانية استطاعت الصين تفويت الفرصة على بعض الدول الكبرى التي حاولت التدخل في شؤون السودان والنيل من استقلاله تحت يافطة مشكلة دارفور الانسانية .. فقد وقفت الصين موقفا صارما وحازما ضد تدويل المشكلة او تفرد اي من الدول الكبرى في حل هذه المشكلة .. ففي الوقت الذي كانت الصين تطالب به حكومة السودان بسرعة التحرك وحل هذه المشكلة الانسانية ظلت تدعو على ضرورة التشاور مع الاتحاد الافريقي والدول العربية والاخذ برأيها والتعاون مع الحكومة السودانية في حل هذه المشكلة .. لقد لعبت الصين دورا هاما في مجلس الأمن، ووقفت موقفا صلبا في مجلس الأمن ضد التفرد او المساس بسيادة السودان ووحدة اراضيه ، وقد اتخذت عدة مبادرات في هذا الصدد ، وصدت العديد من المشاريع غير العادلة التي تقدمت بها الولايات المتحدة لمجلس الامن الدولي .. لقي الموقف الصيني هذا الاحترام والتقدير من السودان حكومة وشعبا ومن كافة الدول العربية والافريقية وبقية الدول النامية .. اما على صعيد المسألة النووية الايرانية ، فقد ظل المجتمع الدولي يدعو الصين الى لعب دور اكبر في هذه المسألة .. الموقف الصيني ظل على الدوام يتسم بالثبات والوضوح .. فأولا ، ظلت الصين تدعو الى حماية صرامة وموثوقية ألاّلية الدولية لحظر انتشار الاسلحة ، و حل المسألة النووية الايرانية حلا سليما عبر المفاوضات الدبلوماسية .. ثانيا ، ظلت تبذل جهود دبلوماسية نشطة لدفع المسألة نحو الحل السليم في اطار الوكالة الدولية للطاقة النووية (IAEA)وعبر المفاوضات الدبلوماسية .. وثالثا ، الصين صوتت لصالح القرار الذي اتخذه المجلس الخاص للوكالة الدولية للطاقة النووية (IAEA)، كونه يطالب الحكومة الايرانية في تنفيذ القرارات الصادرة عن المجلس والايفاء في الوعود التي قدمتها في هذا الشأن ، ولم يتضمن القرار احالة مسؤولية معالجة المسألة النووية الايرانية الى مجلس الامن الدولي ، اّملا منها ان يساعد هذا القرار على حل المسألة النووية الايرانية في اطار الوكالة الدولية ، خاصة وان الصين ترى انه لازال هناك من الفضاء ما يكفي لحل المسألة في اطار المنظمة الدولية ، وعلى المجتمع الدولي عدم الكف عن بذل جهوده الدبلوماسية .. كما ظلت الصين تدعو الى سرعة استئناف المفاوضات بين ايران والاتحاد الاور ، وتحث كافة الاطراف الى التحلي بالصبر واظهار المرونة واتخاذ الاجراءات البناءة ، والعمل المشترك من اجل خلق المناخ والظروف اللازمة لحل المسألة النووية الايرانية حلا سلميا ..
وهذا ينطبق ايضا على علاقات الصين مع كوريا الشمالية التي قدمت دفاعا عنها في بداية الخمسينيات اكثر من مليون ضحية بما فيهم نجل الرئيس ماو تسي تونغ .. واليوم تلعب دورا مقرارا لا يمكن الاستعاضة عنه في تسوية المسألة النووية الكورية التي تشغل العالم اجمع .. لقد سبق لي وان عملت سفيرا لدولة فلسطين لدى كوريا الديمقراطية لفترة طويلة ، في نهاية ثمانينات القرن الماضي ، وعميدا للسلك الدبلوماسي فيها لبعض الوقت .. لدي بعض الالمام والاطلاع على الملف الكوري .. تربطني علاقات مميزة مع قادتها ، مع الزعيم الراحل كيم ايل سونغ ، ومع القيادة الكورية الحالية .. اعي جيدا عمق العلاقات التقليدية القائمة بين الصين وكوريا قيادة وشعبا .. الشعب الصيني قدم كل غال ونفيس للشعب الكوري .. دائما ما اشبه الاوضاع الراهنة في كوريا بالاوضاع الصينية ابان الثورة الثقافية ، فقد اقتبست كوريا الكثير عن صين الستينات والسبعينات .. وكادت الماوية في فترة من الفترات السابقة تكتسح المجتمع الكوري حتى ظهرت " الكيمل سونغية " ، او ما يطلق عليها ب "الزوتشية " المتمحورة على الانسان وقدراته وتقريره لكل المسائل الاخرى .. فهناك مقولة شائعة حول العلاقة بين البلدين تفيد بأن الصين اقامت نصبا ضخما للرئيس ماو تسي تونغ في منطقة دان دونغ الصينية على حافة الحدود مع كوريا وهو يعطي ظهره للجانب الكوري ويشير بيده نحو الاراضي الصينية على حافة نهر ؟؟ ، وعلى الطرف الاّخر من النهر في منطقة شين يي جو الكورية نصب الزعيم كيم ايل سونغ وهو يعطي ظهره للزعيم الصيني مشيرا بيده نحو الاراضي الكورية.. نصبان ضخمان متعاكسان.. بما يعني ان لكل بلد منهما اوضاعه وخصائصه المميزة ، اي " لك ما لك ولي ما لي " .. انه مشهد لطيف ومعبر لا زال قائما حتى الاّن .. تحاول كوريا اليوم الاستفادة من تجربة الاصلاح والانفتاح الصينية ، وتعمل على الانفتاح التدريجي .. الصين وقبل ظهور المسألة النووية الكورية ، ظلت تدعو على الدوام الى ضرورة المحافظة على السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية ، ونبذ التواجد العسكري الاجنبي فيها ، وتدعو الى الحوار بين وحدة طرفي الجزيرة ، شمالا وجنوبا ، وتسوية الخلافات بينهما سلميا والتوصل في النهاية الى وحدة الجزيرة دون اي تدخل اجنبي .. بعد انتهاجها لسياسة الاصلاح والانفتاح ، واعترافها بكوريا الجنوبية واقامة علاقات دبلوماسية معها ، فعلت الصين من دورها ، و لعبت دورا بناء وفعالا في تقريب طرفي الجزيرة من بعضهما البعض .. فمن خلال العلاقات الودية التي تربطها بالطرفين ، وبسياسة عدم الانحياز ، والعدل والمصداقية التي تنتهجها ، استطاعت الصين دفع قادة الطرفين الى عقد لقاءات دورية ، وتشجيع كوريا الديمقراطية على الانضمام لهيئة الامم المتحدة جنبا الى جنب مع كوريا الجنوبية .. وما ان ظهرت المسألة النووية الكورية قبل عامين حتى سارعت الصين بابداء موقفها بكل صرامة ووضوح داعية الى عدم نووية شبه الجزيرة الكورية .. وعندما نقول هنا شبه الجزيرة الكورية نعني شمالا وجنوبا ، على العكس من مواقف الدول الاخرى التي تحاول اقتصار المشكلة على كوريا الشمالية .. هذا من ناحية ومن ناحية اخرى ، دعت الصين الى التعامل مع هذه المسألة تعاملا هادئا والعمل على حلها بالوسائل السياسية وبالطرق الدبلوماسية ، ومعارضة الصلف والتفرد الامريكي في معالجة الشؤون الدولية ، رافضة استخدام القوة او التهديد بها في التعاطي مع المسألة النووية الكورية على غرار ما فعلته في كثير من المناطق والدول الاخرى ، كالعراق وافغانستان ويوغسلافيا السابقة .. الخ ، رافضة المطلب الامريكي الداعي الى فرض العقوبات او ممارسة الضغوطات على كوريا الشمالية .. الهدف واحد ، هو عدم نووية الجزيرة ، لكن الاساليب المطروحة مختلفة .. الا ان دعوة الصين وسياستها السلمية هي التي انتصرت وهي التي لا زالت سائدة حتى الاّن .. الصين المستقرة داخليا والقوية اقتصاديا والمرحب بها اقليميا ودوليا تعي جيدا أهمية السلام والاستقرار الاقليمي على تنميتها الاقتصادية .. أن مصالحها الوطنية الذاتية تملي عليها خلق بيئة سلمية مستقرة في المحيط تساعدها على ديمومة التنمية الاقتصادية، وتعي جيدا أن الركود أو الجمود الاقتصادي في الدول المجاورة يؤثر سلبا عليها وعلى عملية التنمية الاقتصادية فيها .. فحرصا على امنها القومي والمحافظة على السلام والاستقرار في المنطقة قالت لكوريا الديمقراطية التي تربطها علاقات صداقة تقليدية معها ، وبشكل واضح وصريح ، لا للامتلاك النووي .. كما ان الولايات المتحدة قالت ايضا لا لامتلاك كوريا اسلحة نووية .. الموقفان ، الصيني والامريكي ، واحد من المسألة النووية الكورية ، الا ان الاهداف متباينة ، واساليب تحقيق ذلك مختلفة .. اولا: الصين عندما قالت " لا " كانت قد انطلقت بالدرجة الاولى من الحفاظ على امنها القومي ومصالحها الوطنية الذاتية ، التي لا تتعارض ابدا مع مصالح دول المنطقة ، فالمحافظة على السلام والاستقرار في المنطقة يخدم الجميع ويصب في مصلحة الجميع .. بينما " اللا " الامريكية جاءت لخدمة اطماعها في الهيمنة على المنطقة كجزء من استراتيجيتها الكونية .. ثانيا : الصين تقول " لا " للاسلحة النووية في كل ربوع شبه الجزيرة الكورية .. بينما " اللا " الامريكية موجهة فقط للمفاعل النووية في كوريا الديمقراطية على الرغم من وجود قوات اميركية تحمل اسلحة نووية مرابطة على اراضي كوريا الجنوبية منذ الحرب الكورية التي اندلعت في بداية خمسينات القرن الماضي .. ثالثا : الصين تقول " لا " في الوقت الذي تدعو فيه الى لغة الحوار والتفاهم والتشاور لحلها ، واعتماد الاساليب الدبلوماسية في ذلك .. بينما " اللا " الامريكية تدعو الى حلها بالتهديد والوعيد واستخدام القوة وممارسة العقوبات وفرض الضغوطات .. رابعا : الصين تقول " لا " في الوقت الذي تدعو فيه الى ضرورة معالجة الاهتمامات الامنية لكوريا الديمقراطية .. بينما " اللا " الامريكية تنادي بتدمير المنشآت النووية الكورية اولا دون الاخذ بعين الاعتبار الاهتمامات الامنية والاقتصادية لكوريا .. خامسا : الصين قالت " لا " في الوقت الذي تدعو فيه الى فتح حوار بين كوريا الديمقراطية والولايات المتحدة ، كونهما طرفي اتفاقية الهدنة التي وقعت على اثر انتهاء الحرب الكورية في اوائل خمسينات القرن الماضي .. بينما " اللا " الامريكية ظلت ترفض مثل هذا الحوار المباشر مع كوريا الديمقراطية .. الصين بدبلوماسيتها المرنة والواقعية والموضوعية ، واعتمادا على ثقلها ومكانتها الاقليمية والدولية ، وعلاقاتها الجيدة مع جميع الاطراف المعنية ، اضافة الى كونها الطرف الضامن لمعاهدة الهدنة بين كوريا وامريكا ، دعت الى محادثات كورية امريكية تنظمها الصين في بكين ، والتي تطورت الى اّلية المحادثات الثلاثية ومن ثم المحادثات السداسية .. وبعد عدة جولات من المحادثات السداسية ، حققت المرحلة الاولى من الجولة الخامسة عام 2005 اختراقا جوهريا بحيث صدرعنها وثيقة مشتركة حددت اهم المباديء التي تحكم وتوجه حل المسألة النووية الكورية : عدم نووية شبه الجزيرة الكورية والمحافظة على السلام والاستقرار فيها ، ضرورة معالجة الاهتمامات الامنية لكوريا الديمقراطية .. الخ . وهكذا لعبت ولا زالت تلعب الصين بصفتها عضوا دائم العضوية في مجلس الامن الدولي دورا ايجابيا فى الانشطة المتعددة الاطراف .. فقد جرى في بكين عدة جولات للمحادثات الثلاثية والسداسية بشأن المسألة النووية فى شبه الجزيرة الكوريه التي بذلت الصين جهودا دبلوماسية مضنية وعظيمة لضمان حلها سلميا ، حيث اتاحت الفرصة لمختلف الأطراف لإجراء حوار على قدم المساواة وضمان حل المشاكل بهدوء ، الأمر الذي جعل المحادثات السداسية تستمر حتى الآن وتحقق الانجاز تلو الانجاز ..-
للمفارقة اقول ان السياسة الخارجية الصينية على الرغم من سماتها التواصلية والاستمرارية ، الا أن تأثيرها وفعالية دبلوماسيتها تختلف الاّن عما كانت عليه قبل سياسة الاصلاح والانفتاح ، لا بل تزداد تأثيراتها وفعاليتها يوما بعد يوم مع ازدياد القوة الوطنية الصينية وتعاظمها ، الى جانب حيويتها ومواكبتها للتغيرات .. لقد ظلت الصين الضعيفة اقتصاديا تنادي طوال الستينات والسبعينات باسقاط الامبريالية ومعاداة الهيمنة ، والدعوة الى تعزيز دور هيئة الامم المتحدة ورفض الاندماج في النظام الدولي القائم وتدعو الى اسقاطه .. الخ ، فعلى الرغم من سلامة مواقفها وصحة سياساتها ، وتأييد دول العالم الثالث لها وتضامن الشعوب المحبة للسلام معها، الا ان فاعليتها كانت محدودة وتأثيراتها ضعيفة على المسرح الدولي ، خاصة ونحن نعيش في عالم لا يحترم الضعفاء .. بينما اليوم تفعل ما تقول ، ولها حضور قوي في معالجة الشؤون الدولية ..
الدبلوماسية الصينية تنبض بالمزيد من الحيوية و النشاط ، وتتخذ من خدمة بناء مجتمع ميسور متكامل كمهمة اساسية لها ، وتسعى الى خلق بيئة سلمية و مستقرة على الصعيدين الدولى و الاقليمى , و بيئة تعاون قائم على اساس المنافع المتبادلة يسودها روح الموضوعية و الصداقة ، وقد صمدت امام الاثار السلبية والتحديات الخطيرة التي اثارها ر انهيار الاتحاد السوفيتى والتغييرات الشديدة فى اوروبا الشرقية ، وشهدت ازالة العقوبات المفروضة عليها من قبل الدول الغربية وحققت موضع قدم لها على الساحة الدولية . وتلعب دور الدافع والمرشد لعمليات التعاون الاقليمى ، حيث دخلت العلاقات بين الصين ومنظمة جنوب شرقي اّسيا مرحلة جديدة ، ودفعت بمنظمة تعاون شنغهاي نحو تعاون جوهري وشامل .. في حين ان علاقات الشراكة و التعاون الاستراتيجية بين الصين و روسيا قد سجلت المزيد من التقدم والتعمق واوجدت حلولا نهائية لمسألة الحدود التى خلفها التاريخ ، ووضعت الخطط التي تضمن استدامة تطور العلاقات الثنائية ، واتفقت مع كوريا الديمقراطية على تعزيز علاقات الصداقة التقليدية بينهما اكثر فأكثر ، ووضعت مع كوريا الجنوبية اطارا لتعزيز شراكتهما التعاونية فى القرن الحادى والعشرين. واتفقت مع والهند على بناء شراكة بناءة وتعاونية موجهة صوب المستقبل . كما اقامت مع باكستان شراكة تعاونية شاملة .. ومن المنظور الاستراتيجى طويل الاجل فان الصين قد عززت العلاقات الصينية الامريكية بالرغم من العقبات التي تعترضها . كما ان العلاقات بين الصين والاتحاد الاوروبى قد تطورت بايجابية . واصدر الاتحاد الاوروبى اربع وثائق تلخص السياسة الخارجية فيما يتعلق بالصين والزم نفسه بتوسيع التعاون مع الصين . كما عززت الصين العلاقات وطورت التضامن والتعاون مع الدول النامية . واجرت الصين تبادلات متكررة على مستوى عال مع الدول النامية فى ارجاء العالم واشتركت فى انشطة تعاونية هامة بما فيها منتدى التعاون الصينى الافريقى الذى عقد فى بكين فى اكتوبر عام 2000 والمنتدى الصيني العربي الذي عقد عام 2005 .. وقد شاركت الصين بفعالية في الانشطة متعددة الاطراف مع الامم المتحدة مؤكدة على اهمية دور الامم المتحدة ومجلس امنها فى الحفاظ على السلام والامن الدوليين . ووقفت الى جانب المضي قدما مع المد التاريخى ، والحفاظ على المصالح المشتركة للبشرية ، ومن اجل اقامة نظام سياسى واقتصادى دولى جديد عادل ومعقول ، ومن اجل الحفاظ على التنوع فى العالم ، ولصالح تعزيز الديمقراطية فى العلاقات الدولية وتنوع انماط التنمية ، ومن اجل مكافحة الارهاب بكافة اشكاله .كما زادت الصين ايضا من التعاون الدولى فيما يتعلق بالاقتصاد والبيئة والتنمية والقضايا الاجتماعية الاخرى وعززت ونفذت مفهوما جديدا للامن . ان كل هذه الانجازات قد تحققت بفضل تقييم الصين الاستراتيجي السليم للوضع الدولى . وعلى الساحة الدولية بذلت االدبلوماسية جهودا دؤوبة للحفاظ على السلام العالمي وتعزيز الرخاء المشترك . وان تنامي الاتجاهات نحو عالم التعددية القطبية والعولمة الاقتصادية اصبح لا يقاوم ، وتعمل بفاعلية عاى تغيير النظام السياسى والاقتصادى الدولى القديم غير العادل واللامعقول ان العالم ما زال بعيدا عن الهدوء والبشرية تواجه تحديات خطيرة كثيرة . "
ففى الاول من تموز عام 1997 استأنفت الحكومة الصينية ممارسة سيادتها على هونج كونج ، وفى 20 ديسمبر عام 1999 عادت ماكاو ايضا الى احضان الوطن الام مؤذنة بان مفهوم " دولة واحدة ونظامان " قد اصبح حقيقة واقعية وان خطوة عملاقة قد اتخذت تجاه اعادة توحيد الصين .. وفى سبتمبر عام 2000 وبناء على طلب من الصين عقد رؤساء الدول الخمس الدائمة العضوية فى مجلس الامن الدولى القمة الاولى من نوعها فى تاريخ الامم المتحدة الذى يعود الى 55 عاما . .. وفي اكتوبر عام 2001 اسطف زعماء الدول الاعضاء فى منتدى التعاون الاقتصادى لاسيا الباسفيك يتصدرهم الرئيس الصيني لالتقاط صورة وهم يرتدون زيا صينيا تقليديا انيقا ، ونجحت بكين في استضافة دورة عام 2008 للالومبياد ..
الدبلوماسية الصينية تعتمد التحليل الموضوعي لاهمية واولويات المسائل المطروحة في الأعمال الدبلوماسية ، فعدى عن القضايا ذات الشأن الصيني الداخلي ، بما فيها قضية تايوان التي تعتبر خطا احمر بالنسبة للدبلوماسية الصينية ، هناك اولويات في التعامل مع القضايا الاقليمية والدولية ، اعني في حال بروز مشكلتين اقليميتين في اّن واحد ، مثلا المسألة النووية في شبه الجزيرة الكورية ومشكلة الشرق الأوسط ، لا شك انها ، تطلاقا من مصالحها الحيوية ومن قدرة تأثيراتها الموضوعية ، ستركز جهودها الدبلوماسية على معالجة المسألة النووية في شبه الجزيرة الكورية .. وطبعا إذا ما كانت مسألة الشرق الأوسط ، في وقت من الاوقات ، أكثر احتداما وتوترا مما هو عليه في شبه الجزيرة الكورية فانها ستركز نشاطاتها واعمالها الدبلوماسية عليها .. المقصود هنا ان الدبلوماسية الصينية هادفة ومبرمجة ..
الدبلوماسية الصينية اليوم ، الساهرة على خدمة مصالح الصين القومية في العلاقات الدولية ، والتي لا تتعارض مع مصالح الدول الاخرى ، تقول لا لكل التصرفات المنافية لميثاق الامم المتحدة والخارجة عن قواعد ومباديء القانون الدولي والعلاقات الدولية .. وللدلالة على ذلك نأخذ مسألة اصلاحات هيئة الامم المتحدة ، هذا الموضوع الساخن الذي يجري مناقشته الاّن في هيئة الامم المتحدة ، حيث وقفت الصين موقفا واضحا ومسؤولا منه ، ففي الوقت الذي تدعو فيه الى هذه الاصلاحات تؤكد على ضرورة ان تصب في تعزيز سلطات وفعالية مجلس الأمن، وأن تكون اهم اولوياتها زيادة تمثيل الدول النامية. .. إن إصلاح مجلس الامن يعد مسألة بالغة الأهمية تتصل بالمصالح المباشرة لكل دولة، وتتطلب مباحثات شاملة ، وشفافة ، والاجماع على اي وفاق يتم في هذا الصدد ..
تعمل الصين على تنشيط الدبلوماسية المتعددة الأطراف وتفعيل التعاون الدولي .. تشارك الصين بشكل فعال في شؤون الأمم المتحدة، وتعمل على صيانة مصداقية ودور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتجري التعاون الدولي على نطاق واسع في مكافحة الإرهاب والحد من التسلح وحفظ السلام والتنمية وحقوق الإنسان والقضاء والبيئة والمجالات الأخرى. وتشارك في العمليات الأممية لحفظ السلام، حيث لها أكثر من 3000 صيني من القوات غير القتالية وبعثات الشرطة والمسؤولين المدنيين.
back next