الحديث عن الحياة السياسية يقودنا اولا الى الحديث عن الحريات الاساسية للشعب الصيني ، وان ما تحقق في هذا المجال فاق غيره من المجالات .. ومن لم يعرف اين كانت الصين في ستينات وسبعينات القرن الماضي من الصعب عليه معرفة اين هي الاّن ! فمصطلح حقوق الانسان والحريات الاساسية هو مصطلح جديد في الصين ، اتت به سياسة الاصلاح والانفتاح .. فقبل ذلك كان يصنف من المصطلحات الرأسمالية ، والانسان لم يكن الا اداة في جهاز اجتماعي كبير لخدمة مصالح الدولة بعيدا عن ارادته المهنية .. فالدولة هي وحدها صاحبة الحق في توزيع الاعمال بين خريجى المدارس الثانوية والعليا ، وقلما وجدوا فرص اختيار الوظائف بحرية .. فقد قام المجلس الوطنى لنواب الشعب الصينى ، اكبر جهاز تشريعى ، بتعديل دستوري هام ينص على حماية حقوق الانسان وضمان تنفيذها قانونيا ، وذلك لاول مرة في تاريخ الصين الحديث .. واصدرت الحكومة الصينية وثيقة " التركيز على التنفيذ الكامل لتعزيز الادارة وفقا للقانون" ، وتبنت سلسلة من الاجراءات الفعالة لتوحيد معايير السلطة الادارية وتقييدها، وحماية حقوق ومصالح المواطنين ، وممارسة سلطة الدولة بطريقة علمية وديمقراطية داخل اطار القانون .. ففي عام 1997 اصدرت الحكومة الصينية قرارا باقامة نظام معاش التقاعد للعمل والموظفين فى الشركات وقرارا باقامة نظام الضمان الطبى للعمال والموظفين فى المدن والبلدات ولوائح التأمين ضد البطالة .. وتم اتخاذ العديد من الاجراءات الهادفة الى اصلاح نظام شؤون الموظفين ، واصبحت الوظائف الشاغرة تعبأ عن طريق التنافس والامتحان .. وهنا لا بد من اعادة الاشارة الى ان معيار المؤهلات كان في السابق مدى سماكة وخشونة راحة اليد ، لجانب المحسوبية والتبعية .. ومنذ تنفيذ سياسة الاصلاح والانفتاح ، ومع ازالة حاجز الاقامة الدائمة فى المدن ، دخل اكثر من مائة مليون فلاح الى المدن للعمل وان التطور فى اقتصاد السوق جعل الفلاحين يتمتعون بحرية اختيار الوظائف.. اضافة الى ذلك اصبح العديد من وحدات العمل تولى اكبر الاهتمام بشهادات التأهيلات المهنية والدرجات الفنية ، ويرمز ذلك الى ان مجال التوظيف يتوجه الان نحو قدرة الافراد المهنية. ومع النمو الاقتصادى المستمر، شوهد المزيد من الممارسات الديمقراطية على الساحة السياسية، وتقدم المجتمع بطريقة شاملة ، وتم تحقيق المزيد من اوجه التحسن فى مستوى معيشة الشعب، وتحسنت اوضاع حقوق الانسان فى الصين وتتطور بصورة مستمرة فى جميع المجالا ..
من الدعائم الاساسية لاستدامة التنمية الاقتصادية في الصين هوالوئام الوطني والاستقرار الاجتماعي .. فالسياسة الصينية تجاه الاقليات القومية والاديان من انجع سياسات الدول في العالم ، حيث يعيش 56 قومية بعروق واديان مختلفة في عائلة كبيرة بسودها الوئام والاخاء والمساواة .. فعلى الرغم من ان قومية " الخان " تشكل اكثر من 94% من اجمالي عدد سكان الصين ، الا ان بقية القومات تمتاز عنها في كثير من السياسات التفضيلية من حيث ممارستها للحكم الذاتي ، وتمثيلها في اجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية والاستشارية ، والمحافظة على واحترام ثقافاتها ولغاتها وتراثها وعاداتها ، وحرية ممارسة شعائرها الدينية ، لا بل وتلقى الدعم من الحكومة المركزية على اعادة احياء بعض لغاتها المندثرة وتجميع وحفظ مخطوطاتها التاريخية والثقافية.. وتمنحها سياسة تفضيلية في التنمية وشغر الوظائف الحكومية والالتحاق بالمعاهد والجامعات ، والاستفادة من العطل الرسمية للبلاد اضافة الى العطل في اعيادها ومناسباتها الخاصة ..
الحريات الاساسية أكانت للافراد او القوميات كانت مهضومة بينما الديمقراطية كانت هشة ، فتلبيس الطواقي والساق التهم كانت شائعة ، ولم يكن هناك من يجرأ على التعبير عن رأيه بحرية او استخدام علمه وثقافته للعطاء والابتكار .. يمكن الجزم بان الوئام بين القوميات المختلفة و الاستقرار الاجتماعى يعد احدى الدعائم الاساسية التى تكفل نمو الاقتصاد الصينى بصورة مطردة ، ويرمز تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 إلى أن أبناء مختلف القوميات الصينية قد دخلوا مرحلة تاريخية من التغيرات العظمى .. فالصين ذات اقليات قومية عديدة ، 56 قومية بينما تشكل قومية الخان " HAN " أكثر من 90% من عدد السكان .. جاءت الثورة الثقافية لتنتهك السياسة الدينية السمحة ولتلحق اضرارا كبيرة في المساجد والمعابد ودور العبادة ، فهدمت البعض واغلقت البعض بينما تم تسخير الكثير منها الى اغراض اخرى ، وهذا ما اثار الغضب لدى الاديان والاقليات القومية .. جاء عصر الاصلاح والانفتاح ليضع حدا لعبث الثورة الثقافية ، وتم ترسيخ السياسة الدينية القائمة على حرية المعتقدات وممارسة الشعائر الدينية ، ومورس نظام مناطق الاقليات القومية والحكم الذاتي لهم ، والتمثيل في دورات المجلس الوطني لنواب الشعب والمجلس السياسي الاستشاري وغيرهما من اجهزة الدولة بنسب تفوق حجمهم السكاني .. وظلت عاداتهم وتفاليدهم محل احترام لدى الحكومة والشعب ، فيمارسون طقوسهم في المناسبات والاعياد ويحافظون على ثقافتهم ويخضعون لمعاملة تفضيلية في الكثير من اوجه الحياة .. هناك قوميات صينية عشر تعتنق الاسلام في الصين اهمها "HUI" و " UYGUR " و " KAZAK " و " KIRGIZ " و " OZBEK" و " TAJIK" و " TARTAR" .. الخ ، ويزيد تعدادها عن الثلاثين مليون نسمة .. فقد أصبح أبناء القوميات المسلمة سادة أنفسهم بكل معنى الكلمة، شأنهم شأن بقية أبناء وطنهم .. إذ لم ينهضوا اقتصاديا وثقافيا فحسب، بل حظيت عقيدتهم الدينية على الحماية قانونيا وخصصت الحكومة مبالغ طائلة لترميم بعض المساجد القديمة التي تداعى بنيانها بسبب حرمانها من الإصلاح أعواما طوال .. لقد ظلت الحكومة الصينية شديدة الحرص على المعالجة الصحيحة لاي عارض يقع فيما يخص الاديان وحرياتها واحترامها ، وتتعامل بصرامة مع القوانين المعنية بها .. لقد لمست ، كما الزملاء سفراء الدول العربية والاسلامية ، عندما كنت اترأس اللجنة الاعلامية والثقافية العربية في بكين ، تلك الجدية والصرامة للحكومة الصينية في تعاملها مع حادثة تمزيق القراّن الكريم في احدى المحافظات الصينية ، حيث تم على الفور اقالة المحافظ والبعض من مساعديه لتباطئهم في اتخاذ الاجراءات اللازمة ، ومواقفها الصارمة مع تلك المؤسسة الصينية التي زينت دون قصد بضائعها باسم الله عز وجل ، حيث تم اتلاف جميع بضائعها وقدمت الاعتذار تلو الاّخر ..
ان السعادة والارتياح بدت على الوجوه ، في المنزل والعمل والشارع .. والتصرفات عادت تلقائية وغير مصطنعة .. فلم يعد هناك من رقيب او حسيب .. ولم يعد هناك من قباعت " تهم " تلبس لهذا او ذاك ، يذهب اينما يريد ويتحدث ما يريد ومع من يريد ، ويعبر عن رأيه في اي قضية سياسية أكانت ام اجتماعية تعنيه و شعبه وبلاده .. يختار شريكة حياته بنفسه بعيدا عن اي تدخل من مرؤوسيه او ارباب العمل .. يزاول هواياته دون اي عائق .. حقوقه محفوظة ومضمونة من قبل الدولة أكان داخل البلاد او خارجها ..
كانغ شي KANGXI هو الإمبراطور الحادي عشر من أباطرة أسرة تشينغ ( أي منشوريا ) في تاريخ الصين ، والذي امتدت فترة حكمه ما بين عامي 1662 و1723 .. هناك قصة شعبية ممتعة وقعت بين هذا الامبراطور والمسلمين ظل اهالي بكين يتناقلوها من جيل الى جيل تقول : شارع البقر في بكين مكان تجمع سكني كبير لجموع بني قومية خوي HUI الاسلامية ، وهم من المحافظين الملتزمين .. فكل ما حل شهر رمضان المبارك ، يصومونه نهارا ، ويتعبدون ليلا في مسجد شارع البقر الشهير .. وكثيرا ما يعودون الى منازلهم سويعات الصباح .. ومن هو على دراية بحياة هذه القومية وعادات اهلها يعي جيدا بالطبيعة الاعتيادية لعملهم هذا .. الا ان موظفا صغيرا جاهلا ، قام بهدف التقرب من الأمبراطور ، بتقديم عريضة له ورد فيها " أن بني خوي يتجمعون ليلا ، ويتفرقون نهارا ، في محاولة تمرد وعصيان على الحكم " .. ولما وقف الامبراطور كانغ شي على هذه العريضة ، وقع في حيرة وارتباك متسائلا " كيف يمكن أن يكون هناك من يدبر العصيان والتمرد في اوج عصري ؟ " .. فخرج ليلا متنكرا بالزي الشعبي قاصدا مسجد شارع البقر المعروف ، دخله وطاقية الصلاة البيضاء تغطي رأسه كباقي من دخل من المسلمين .. حاول تقليدهم وأدى الصلاة جنبا الى جنب معهم ، واستمع الى خطبهم واحاديثهم ، وخرج مع خروجهم .. لقد ابهر بما سمع من مواعظ حسنة ، والدعوة الى المعروف والنهي عن المنكر في جو الطاعة والوئام دون ان يلحظ اي علامة من علامات العصيان او التمرد . كرر هذا العمل اكثر من مرة دون ان يجد اي خروج عن المعتاد ، غعاد الى قصره في المدينة المحرمة غضبان غضبا شديدا ، وأنزل عقوبة صارمة بحق الموظف الاحمق على عريضة افترائه .. واصدر مرسوما امبراطوريا جاء غيه :
" .. قمنا بالاطلاع والتحقق من التشريعات القديمة والحالية لبني خان HAN ( اكبر القوميات الصينية غير الاسلامية ) وبني خوي HUI ( اكبر القوميات الصينية المسلمة ) ، ووجدناها صراطا مستقيما وعظيما . اثنان وسبعون مذهبا لتهذيب النفس والاهتداء إلى المثل البوذية ، وبرزت صنوف متعددة من البدع غير الشرعية التي أغوت المحق ودفعت به إلى الضلال . الذنوب الماضية لن يعاقب عليها ، ومن يخالف من الاّن فصاعدا ضربت عنقه .. أصحاب المناصب العليا من بني خان يقدمون مشوره يومية لنا لقاء مرتبات امبراطورية باهضة ودائمة ، بينما بنو خوي يمتثلون امام ربهم ركعا سجدا لخمس مرات في اليوم دون أي مقابل ، إلا أنهم يعرفون الجميل ورده ، فبني خان لا يضاهونهم .. نحيط المقاطعات علما : إذا ما وجد من بين الموظفين او من بين عامة الشعب من تدفعه التوافه الى ايجاد ذرائع لتقديم عرائض كاذبة حول بني خوي يقوم والي المنطقة باعدامه على الفور دون العودة الى البلاط . على بني خوي في أرجاء البلاد الالتزام بدينهم الاسلامي وعدم مخالفته . وعليهم ألا يخيبوا اّمالنا في حب الاديان . وهذا مرسوم صادر عن الامبراطور شخصيا على الجميع الالتزام به والعمل وفق ما جاء فيه " .
ففي عصر المعلومات وعالم الانترنت ، يتمتع الشعب الصيني بممارسة كافة حقوقة في استخدام المنتديات السياسية والاجتماعية على الانترنيت كمنصات للتعبير عن رأيه كما يحلو له حول جميع القضايا السياسية و الاجتماعية والثقافية التي تهمه .. بعد كل هذا تخرج اصوات شاذة في الدول الغربية بشكل عام و الولايات المتحدة بشكل خاص لتتهجم على اوضاع حقوق الانسان وتشوه سجله في الصين .. هذا الموضوع بالذات اوقفني الكثير من المرات ، حتى في اعمالي الاعلامية والصحفية ، كوني وكما ذكرت خير شاهد عما كانت عليه الصين في هذا المجال وعما اصبحت عليه اليوم ، نعم لقد حققت الصين الكثير من الانجازات العظيمة منذ فترة الاصلاح والانفتاح في جميع المجالات ، الا أنني ارى ، واجزم بالارقام والمعطيات الواقعية ، بأن التقدم الذي احرزته الصين في مجال حقوق الانسان فاق ما حققته في المجالات الاخرى .. في نظري ان ذلك بقدر ما هو عظيم ويدخل في النفوس السرور والامل بقدر ما يعكسه من سلبيات .. " كل شيء له وجهين " اعني ان اي تقدم يحقق في مجال حقوق الانسان وحرياته يجب ان يكون بالتوازي مع ما يتم تحقيقه في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية .. واذا قارنا بين سرعة وضخامة ما تحقق وانجز في الطرفين ، نجد بالفعل ان الحريات الاساسية قد شهدت تقدما لا يمكن وصفه .. طبعا اقول هذا أنا المعايش للاوضاع ، وليس الاوروبي او الامريكي البعيد عن ارض الواقع .. فمن يعود الى كلماتي الاولى في هذا الكتاب ويتمعن من جديد ببعض المضامين الخاصة في هذا المجال ، قد يعي الحقيقة .. اقول هذا ولا اعني ابدا بأن الصين وصلت القمة في مجال حقوق الانسيان والحريات الاساسية، اقول بأنها حققت معجزة في التقدم السرع الذي حققته .. اي ان الصين تعيش اليوم في افضل مراحلها التاريخية في هذا المجال .. وللاسف اقول بأن الولايات المتحدة و الدول الغربية تدرك تمام الادراك بان الصين قد ارست قواعدة متكاملة لمشروع التنمية و الرفاهية متعدد الجوانب ، غير ان حفنة من المتربصين والمستفيدين من النظام الدولي القائم تخشى نهضة الصين وتقدمها وتعمل ليل نهار على الاضرار بها والتشكيك بنزاهتها وتتمنى ان تؤول بها الاقدار الى ما اّل اليه الاتحاد السوفياتي السابق من تفكك وانهيار .. الا ان ما جرى ويجري على هذه الارض الطيبة عكس ما يتوقعون ويخططون ، فالتقدم الذي تحرزه الصين في سنة واحدة ، بحاجة الولايات المتحدة الى اربع او خمس سنوات لتحقيقه .. ان التنمية الصينية السريعة قد افقدت صواب تلك الفئة الضالة والمغرضة التي لم تجد ذرائع اخرى لمحاولاتها عرقلة التنمية الصينية فلجأت الى استخدام الوسائل والطرق الرخيصة ، بما فيها حقوق الانسان والديمقراطية ومشكلة تايوان والتبت .. الخ ، ولو وقفنا وقفة تأمل ومقارنة بين الاوضاع التي هي عليه في الصين حاليا وبين ما هي عليه في الولايات المتحدة لوجدنا ان الصين احسن حالا .. لقد قامت الولايات المتحدة خلال العقد التاسع وحده من القرن الماضي برفع عشر مشاريع تعيب سجل الصين واوضاع حقوق الانسان فيها الى هيئة الامم المتحدة ، بينما تصدر وزارة الخارجية الامريكية تقريرا سنويا مماثلا تحت عنوان اوضاع حقوق الانسان في الدول الاخرى ..
وعلى العكس من ذلك ، ظلت الاجراءات الصينية ، في الوقت الذي تتمسك فيه بالمباديء ، تتسم بالتعقل والحكمة والمرونة وضبط النفس في مواجهتها لتلك الحملات الخبيثة ، ولم تتعامل معها بردة فعل قاسية ، كما لم تتركها وشأنها ، وانما ظلت ظلت تدعو على الدوام الى حل الخلافات بين دول العالم فى مجال حقوق الانسان عبر الحوار المتكافئ . وبالفعل اجرت مثل الحوار مع الكثير من دول العالم ، و قدمت اسهامات كبيرة لقضية حقوق الانسان فى اطار الامم المتحدة كما استضافت سلسلة من المؤتمرات وورشات العمل حول هذا الموضوع .. ويمكن القول بامانة ان مدى المام اهل الصين بالشأن الامريكى يفوق ما يلم به اهل امريكا من الشأن الصينى ..
الحديث عن الانجازات التي حققها الشعب الصيني لا تنضب .. وعندما اؤكد على تجربتى الشخصية التى غطت ستينات وسبعينات القرن الماضي ولغاية اطلالة القرن الحادي والعشرين ، اؤكد على مدى استيعابي لما شهدت وعاصرت خلال سنوات الاصلاح والانفتاح ما بعد الثمانيات ، لقد شكلت لي الصين مدرسة لم اشهدها من قبل ، اعيش كل يوم ، معها وفيها ، بأشياء جديدة تركت بصماتها على حياتى و سلوكياتى و طريقة تفكيرى .. لقد قدمت الى الصين اواخر ستينات القرن الماضي من الجبهة الامامية ، حيث كنت من الكوادر العسكرية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح ، رائدة الكفاح الفسطيني المسلح ، التي تخوض حرب عصابات ضد الاحتلال الاسرائيلي ، ولم اكن اعرف يومها سوى لغة النضال والبارود ، وهذا ما ضمنته لي المواثيق والاعراف الدولية ، وبقدر ما طرأ على الاوضاع الدولية اليوم من تغيرات ، وما اكتسبته من تجربة وخبرة من مدرسة الاصلاح والانفتاح عادت بعض المستجدات تتطرأ على طريقة واسلوب تفكيري ، فقد كنت لا اتخيل على الاطلاق بأن تصافح يدي اي اسرائيلي ، طبعا بسبب احتلالهم لارضنا وشعبنا ، الا ان التجربة الصينية في تعاطيها مع جميع القضايا الاقليمية والدولية ، وحتى مع ما يخص مصالحها الجوهرية ، كمسألة تايوان مثلا او التبت ، دائما ما تتمسك اولا بالمباديء التي لا حياد عنها او مساومة عليها او تراجع فيها ، وعليه تخوض حوارا مرنا ومتكافئا مع الاطراف المعنية .. من هنا تولدت القناعة في نجاعة وضرورة التعاطي مع القضايا المعاشة بالطرق السلمية والمحافظة على جسور الحوار والتفاهم .. في الثورة الثقافية كنا دائما ما نخرج الى الشوارع بمسرات تنديد بامريكا ولنهتف ونصرخ مع الصينيين " فلتسقط الامبريالية ! وسياسة القوة والهيمنة ! " و " امريكا نمر من ورق " ، بينما نرى الصين اليوم تجلس مع امريكا وتحاورها وتتعاون معها لايجاد حلول للمشاكل الثنائية والاقليمية والدولية .. وقد حققت هذه السياسة ما لم تستطع الثورة الثقافية تحقيقه ، فالبندقية ليست الا وسيلة من الوسائل ولم تعد لغة وحيدة لا بديل لها ، وعسى ان يأتى الحوار بفوائد اوفر مما يأتى به السلاح .. وهنا اوجه حديثي بكل محبة وصد الى الجيل الصيني الناشيء لاقول " ارفعوا رؤسكم عاليا و كونوا دائما فخورين بعظمة بلادكم و تقدمها ! "
back next