اأقلعت الطائرة في رحلة جوية طويلة ، حيث قطعنا الاراضي الصينية من اقصى جنوبها الى اقصى شمالها .. تعمدت الجلوس الى جوار الرئيس منذ بداية الرحلة للاستماع الى انطباعاته .. وبالفعل تحدث مطولا عنها بايجابية مطلقة .. وبدوري تحدثت عن انفتاح الصين على الخارج والاصلاحات التي تجري على قدم وساق في الداخل ، وما تم تحقيقه خلال السنوات العشر الاولى من عمر سياسة الاصلاح والانفتاح ، يفوق ما حققته الصين خلال العقود الثلاثة الاولى التي تلت تأسيس الصين الجديدة .. شعرت بأن الرئيس كان يتابع حديثي باهتمام .. مد الرئيس يده الى كتفي وقال هازا رأسه " يا ابو حديد علينا ان نضع الرجل المناسب في المكان المناسب " .. وبعد لحظات من الصمت عاود ليوضح اكثر قائلا " أنت الأحق في أن تكون سفيرا لنا في هذا البلد الصديق " .. فأجبت على الفور " تقصد الصين ؟ " ، نعم الصين " .. شكرته وقبلت وجنتيه ، وغادرت مقعدي لابلاغ كل من على متن الطائرة عن هذا الخبر السعيد .. الكل نيام .. ايقظتهم واحدا تلو الاّخر .. جلست قليلا مع نفسي .. عادت بي الذاكرة الى .. رحلتي مع والدي الى القدس .. رحلتي الاولى الى الصين .. جولتي الدبلوماسية مع الوالد ياسر عرفات .. الدبلوماسي ابو حديد في الثورة الثقافية ، والدكتور مصطفى السفاريني في عصر الاصلاح والانفتاح .. عهدان مختلفان .. من عهد العضلات والقوة الى عهد العقل والمرونة .. من عهد تشانغ يونغ كوي ومدرجات دا جاي الى عهد السفينة الفضائية المأهولة .. من عهد بونات الارز والزيت واملابس القطنية وغيرها من المواد الاساسية في الحياة الى ازدهار الاسواق بأحدث ما انتجته دول العالم من سلع وبضائع .. من عهد الحرب الباردة الى عصر عنوانه السلام والتنمية .. تابعنا الرحلة الى اسيا الوسطى ومن ثم تركيا وصولا الى تونس المحطة النهاية ..
في حزيران العام نفسه ( 1992 ) كان ترشيحي قد وصل وزارة الخارجية الصينية وردت عليه بالايجاب والقبول .. ثم استدعيت من قبل الرئيس عرفات الى تونس للمشاركة في اللقاء الذي جمعه مع الرئيس الصيني يانغ شان كوين الذي كان يقوم حينها بزيارة رسمية لتونس .. اذكر ان الصديق لي خوا شينغ ( حمدان ، أفضل المتحدثين بلغة الضاد ) كان وقتها مترجما للرئيس الصيني ، حيث يتبوأ الان منصب نائب المدير العام لدائرة غرب اّسيا وشمال افريقيا في الخارجية الصينية .. وعلى هامش اللقاء منحني فرصة المداخلة والترجمة للرئيسين الفلسطيني والصيني ، مما لقي الاشادة والتشجيع من الرئيس يانغ شان كوين ..
في الخامس عشر من حزيران سلمني الرئيس اوراق الاعتماد ، واوصاني خيرا في بذل اقصى الجهود لدفع وتعزيز العلاقات الفلسطينية مع هذا البلد الصديق الذي أول من وقف مؤيدا داعما شعبنا في نضاله العادل .. اقسمت للرئيس وعاهدته بأن اكون الجندي الوفي الساهر على تدعيم وتعزيز هذه العلاقات التاريخية وهذه الصداقة التقليدية .. في مطار بكين كان بعض الاصدقاء من دائرة التشريفات في انتظاري عند سلم الطائرة ، بينما اجتمع السفراء العرب لاستقبالي في صالة كبار الضيوف .. ألقيت كلمة مقتضبة أكدت فيها على أهمية العلاقات العربية الصينية واهمية التنسيق والتضامن والعمل العربي المشترك على هذه الساحة التي تشهد تطورات وتغييرات يومية ، وتلعب دورا متصاعدا في الشؤون الدولية والاقليمية .. امام مدخل السفارة ، تعانقنا ثانية ، أنا والطاقم الصيني الذي يعمل معنا .. كانوا يتابعون الخبر اول بأول ، وكأنهم معنيين بقدومي أكثر مني ، عيونهم تتحدث عما يكنوه في داخلهم من محبة وصداقة .. واذ بالصديق " GAN 甘 " الطباخ الذي عمل معنا منذ بداية السبعينات يقول لي باحترام وجدية ، الاّن استطيع القول " اهلا بسعادة السفير " .. لم اعهد مثل هذا الكلام منه ، حيث ظل يناديني طوال العقدين الماضيين ب " لا مو " .. نظرت اليه مبتسما وشددته نحوي لندخل سويا مؤكدا له بأن " لا مو " سيبقى الصديق الوفي لهذا الشعب الوفي ..
كم كنت اتمنى ان يبقى الرئيس جو ان لاي حاضرا بجسده معنا وليس بروحه فقط عام 1992 ، ليراني ويستمع الى لغتي الصينية عند تقديم اوراق اعتمادي كسفير لدولة فلسطين للرئيس الصيني اّنذاك يانغ شان كوين .. كان ذلك في تموز 1992 ،حيث استقليت طائرة بصحبة السيد يانغ فو تشانغ نائب وزير الخارجية الصيني والسيد وو سي كا مدير عام دائرة غرب اسيا وشمال افريقيا وبعض الاصدقاء من دائرة المراسم الى جانب زملائي
في السفارة الفلسطينية باتجاه منتجع بيه داي خه BEI DAI HE الصيفي حيث ينزل الرئيس الصيني يانغ شان كوين .. وبعد المراسم الرسمية لتقديم اوراق الاعتماد ، رحب بي الرئيس باللغة الصينية عبر احد المترجمين من الاصدقاء في الخارجية الصينية ، وبدوري استأذنت من الرئيس الحديث معه في اللغة الصينية ، وعلى مدار اكثر من نصف ساعة وأنا اتحدث معه بلغة الخان عن الصداقة والعلاقات والاوضاع في منطقتنا وعهدي له في بذل قصارى جهدي وتكريس كل وقتي في خدمة العلاقات الفلسطينية الصينية .. لقد استمع باهتمام وعلامات الرضى تصدر منه بين الحين والاّخر .. وعند تعقيبه على حديثي وجه الكلام لمن اصطحبوني من الاصدقاء الصينيين قائلا " علينا تعيين سفرائنا الناطقين بلغة البلد التي يمثلوننا فيه " .. بالفعل نجد اليوم اكثر من 90% من السفراء الصينيين لدى الدول العربية يتقنون لغة الضاد ..
المهمة سامية ولكنها ليست بسهلة على الاطلاق .. المتغيرات الدولية والاقليمية سريعة وكبيرة ، معقدة ومتشابكة .. نهاية الحرب الباردة .. تفكك الاتحاد السوفياتي .. مؤتمر مدريد .. العملية السلمية .. التطورات الهائلة في الصين .. ثبات السياسة الخارجية الصينية الا ان الساحة الصينية لم تعد حكرا على الفلسطينيين والعرب .. نشاط السفارة الاسرائيلية والعلاقات بين البلدين .. ضعف الاستثمارات العربية وضئالة الميزان التجاري العربي الصيني .. التعامل مع الواقع الموضوعي .. النزعة وحيدة الجانب .. النظام الدولي غير العادل .. حرب الخليج .. هشاشة التضامن العربي .. التكتلات الاقليمية .. الخ ، تحققت امنيتي وها أنا أتربع على الكرسي الذي ظللت اتطلع وانتظر .. فما انا بفاعل ؟؟ وما الذي عليّ أن أعمله لتسجيل انطباعات إيجابية ومنعطفات واضحة خلال فترة عملي كسفير دولة فلسطين كما فعل من سبقني من السفراء الفلسطينيين ، وكيف اعبد الطريق لمن سيأتي بعدي للمحافظة على تواصل واستمرارية تطوير هذه العلاقات مع هذا البلد الصديق ..
القضية الفلسطينية شريان دمي ، وهواء تنفسي ، وعدالتها من عدالة السماء .. قضية شعبي ومصالحه فوق كل اعتبار .. الا اننا نعيش في عصر المصالح والتكتلات الاقليمية ، نعيش في عصر القوة والغطرسة ولا مكان للضعيف فيه .. اعي جيدا عمق العلاقات الفلسطينية الصينية ، واجزم في مبدئية وثبات السياسة الصينية الداعمة للحق والعدل الفلسطيني، الا ان عراقة الصداقة وقوة العلاقات السياسية والدبلوماسية لا تكفي لمواجهة التحديات التي تمليها العولمة .. فلا بد من تعميدها بالتعاون الاقتصادي والتجاري القائم على اسس المنفعة المتبادلة ، خاصة وان نصر القضية الفلسطينية بات معيار العلاقات العربية مع دول العالم ، وجوهر الصراع في الشرق الاوسط .. دلت الحقائق التاريخية بانه لن يكون اي سلام شامل ودائم في منطقة الشرق الاوسط دون استرجاع الشعب العربي الفلسطيني لحقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف والتي اكدتها هيئة الامم المتحدة ، وبدون السلام والاستقرار في منطقة الشرق الاوسط لن يكون هناك لا سلام ولا استقرار في العالم اجمع .. نعم ، لقد اثبت الشعب الفلسطيني قدرته على المضي بالثورة حتى النصر من خلال نضاله الدؤوب وتضحياته الجسام ، واعي جيدا انه العامل الاساسي في هذه المعادلة ، الا ان الفضاء العربي في غاية الاهمية لنا على الساحة الدولية .. وهذا ما تعلمته من التجربة الصينية ، فقد بدأ الزعيم دنغ شياو بنغ بتنظيم وترتيب البيت الصيني من الداخل للانطلاق بقوة وصلابة نحو المحيط والخارج .. فالعمل العربي المشترك في الصين في غاية الاهمية ، ويمكن ان يأتي بثمار مضاعفة كون الصين دولة صديقة دائما ما تدعو الى الوحدة والتضامن العربي .. فعلى مستوى العلاقات السياسية ظللنا نتبادل الدعم والتأييد لقضايانا العادلة في المحافل الدولية ، وعلى رأسها قضية الشعب الفلسطيني ، وقضية تايوان ، بينما بدأت العلاقات الاقتصادية والتجارية تطورا سريعا ، وعاد النفط العربي المصدر للصين يشكل نصف الواردات الصينية في ظل ازدياد الطلب على هذه المادة الاستراتيجية الخامة مع النمو الاقتصادي الصيني السريع .. من هنا بدأت العمل على هذين الخطين المتوازيين ، العمل على تعزيز العلاقات الفلسطينية الصينية من جهة والعلاقات العربية الصينية من جهة اخرى ..
ففي العام الاول ، استطعنا من خلال الجهود المشتركة للسفراء العرب من اعادة تحريك اعمال مجلس السفراء العرب ، على ضوء المبدأ الصيني الداعي الى " ترك الخلافات جانبا والالتقاء حول النقاط المشتركة " ، ومن ثم أنشأنا اللجنة الاعلامية والثقافية العربية الذي كان لي شرف رئاستها منذ تشكيلها وحتى انتهاء مهمتي في الصين .. ففي السنوات العشر من عمر هذه اللجنة التي تضم في عضويتها ثمان سفراء عرب استطاعت تنظيم الكثير من الفعاليات والنشاطات العربية الصينية المشتركة في المجالات الاعلامية والثقافية وغيرها ، وحققت نتائج ملموسة على صعيد تفعيل العمل العربي المشترك على الساحة الصينية ، وعلى الصعيد الثنائي العربي الصيني ..
back next