في عام 1976 وبعد وفاة الرئيس جو ان لاي نقلت من الصين لاتسلم مهام اول سفير لدولة فلسطين لدى لاووس ، بلد زوجتي ، ثم كسفير غير مقيم لدى تايلاند ، ومع بداية ثمانينات القرن الماضي عينت سفيرا لفلسطين لدى جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية .. وعلى الرغم من عملي في كل تلك الدول الصديقة الا ان الصين ظلت بالنسبة لي المركز الدائم الذي لا اقدر على فراقه لفترات طويلة ..
نعم كنت فخور جدا بما منحته اياي القيادة الفلسطينية من تقدير وثقة كبيرتين ، وكنت في غاية السعادة لأن اكون اصغر سفير فلسطيني في الخارج ، لم اكن اتعدى السادسة والعشرون من العمر .. ومع هذه البهجة والسرور الا ان شعورا غريبا ظل يرافقني قبيل مغادرتي الصين متوجها الى لاووس ، انه نفس الشعور الذي اسرني قبيل مغادرتي رفاقي على الجبهة الامامية قادما للصين عام 1968 لانتهال العلوم العسكرية والسياسية .. لقد ودعت رفاق السلاح على امل اللقاء بهم ثانية .. وبالفعل ودعت معارفي من الرفاق والاصدقاء والزملاء الصينيين على امل العودة واللقاء بهم من جديد .. الصديق المترجم كاو GAO ، والرفيق الطباخ كان GAN ، والعزيز السائق MENG وغيرهم ممن غمروني بعطفهم ومساعدتهم .. عندما كنا نتحادث ونتمازح او نلعب الورق سويا دائما ما افصح لهم عما في داخلي وما يجيش في خواطري .. كنت اتمنى في يوم من الايام ان اكون سفيرا لدولة فلسطين لدى الصين .. غادرت الصين حاملا هذه الامنية ..
في شتاء عام 1991، قام الرئيس ياسر عرفات وكالعادة بزيارات رسمية إلى أكثر من عشرين دولة صديقة في أقل من شهر .. فعلى اثر اعلان المجلس الوطني الفلسطيني لوثيقة الاستقلال وقيام دولة فلسطين في الخامس عشر من نوفمبر 1988 استنادا الى قرار هيئة الأمم المتحدة رقم 181 الصادر في 29 نوفمبر 1947 الداعي إلى تقسيم فلسطين واقامة دولتين مستقلتين على اراضيها ، عربية وأخرى إسرائيلية ، واستنادا الى قرار مجلس الامن الدولي رقم 242 الصادر عام 1967 والداعي الى الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها إسرائيل عام1967 فيها القدس الشرقية، قام الرئيس عرفات بجولة تاريخية شملت اكثر من عشرين دولة في اقل من ثلاثين يوما ، وذلك بهدف وضع قادة الدول الصديقة في صورة ما يجري في منطقتنا العربية وعلى الساحة الفلسطينية لكسب تأييدها ودعمها للموقف الفلسطين ، خاصة وان الحديث كان يدور حول مبادرة سلام ستقدمها الولايات المتحدة بشكل مشترك مع الاتحاد السوفياتي السابق .. والجولة شملت طبعا الصين وكوريا وبعض دول جنوب شرقي اّسيا ..
الصين بالنسبة للشعب الفلسطيني ، والرئيس ياسر عرفات بالذات دولة في غاية الاهمية ، فالعلاقات معها تشكل ركنا اساسيا في السياسة الخارجية الفلسطينية .. ففضلا عن وقوفها طوال العقود الماضية داعمة مؤيدة ، معنويا وماديا ، للنضال العادل الذي يخوضه الشعب الفلسطيني من اجل استرجاع حقوقه الوطنية المشروعة ، كما ظلت على الدوام المحطة الاساسية التي يلجأ اليها الرئيس عرفات للتشاور وتبادل وجهات النظر في القضايا الهامة الفلسطينية والعربية والدولية ..
كالعادة كان الاستقبال الرسمي والشعبي الصيني للرئيس ياسر عرفات عظيما ، ويعكس مدى عمق العلاقات بين الشعبين والبلدين ، والمواقف الثابتة للصين ، حزبا وحكومة وشعبا ، تجاه شعبنا المعطاء وقضيته العادلة ، حيث استعرض الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والرئيس الصيني يانغ شان كوين حرس الشرف امام قاعة الشعب الكبرى في ساحة تيان اّن مين " بوابة السماء " التي اعلن الرئيس ماو تسي تونغ في الفاتح من اكتوبر 1949 قيام جمعورية الصين الشعبية .. والاعلام الفلسطينية والصينية ترفرف في كل مكان من بكين وتزين ساحة تيان اّن مين اطلقت المدفعة احد وعشرون طلقة تحية للزعيم الفلسطيني تحت انغام النشيدين الوطنيين الفلسطيني والصيني في مشهد لا ينسى .. تبع مراسم الاستقبال المحادثات الرسمية بين زعيمي البلدين والتوقيع على عدة اتفاقيات تعاون اقتصادي وثقني وثقافي تضمنت تقديم الحكومة الصينية مساعدات اقتصادية فعالة للشعب الفلسطيني ، وانتهى اليوم الاول بمأدبة عشاء تكريمية اقامها الرئيس الصيني لضيفه الكبير ياسر عرفات ..
في صباح اليوم التالي ، وقبيل اللقاء المعد بين الرئيس عرفات والسيد لي بنغ رئيس مجلس الدولة اّنذاك ، وبناء على طلب من الجانب الصيني ، تم عقد لقاء مصغر بين القيادتين .. تحدث فيه لي بنغ عن التغيرات الاخيرة التي طرأت على الاضاع الدولية والوطنية ، وعزم الصين على اقامة علاقات مع بعض الدول بما فيها كوريا الجنوبية واسرائيل .. الخ .. مؤكدا على ثبات الموقف الصيني في مواصلة الوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله العادل والحق الى ان يسترجع كامل حقوقه الوطنية المشروعة بما فيها اقامة دولته الفلسطينية المستقلة على ترابه الوطني ، ومشيرا الى ان اقامة العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل تفرضه الاوضاع الدولية للعب الصين لدور اكبر واعظم في دعم نضال الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوق الدول النامية في المحافل الدولية .. فاذا ما ارادت الصين لعب دور اكثر تأثيرا في قضية الشرق الاوسط يتحتم عليها التعامل مع جميع دول المنطقة .. ان اقامة علاقات دبلوماسية بين الصين واسرائيل سيخدم احلال سلام عادل ودائم وشامل في منطقة الشرق الاوسط ، واجزم السيد لي بنغ بأن هذه الخطوة لن تكون على حساب العلاقات الصينية الفلسطينية ، بل على العكس ستكون عامل مساعد وداعم للشعب الفلسطيني في نضاله السياسي والتفاوضي .. وان الموقف الصيني هو موقف مبدئي ثابت لا يتغير في الوقوف الى جانب الحق الفلسطيني ....
وبعد اللقاء الحار الذي جمع الرئيس عرفات بالسيد لي رويه خوان رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني اّنذاك في قاعة الشعب الكبرى ، ولقائه بمجلس السفراء العرب في بكين ، غادر الوفد الفلسطيني العاصمة الصينية بكين متجها نحو الغرب في زيارة الى دول الهند الصينية الثلاث ، فيتنام وكمبوديا ولاووس .. كمبوديا كانت المحطة المحطة الثانية للزيارة بعد الصين .. الأمير الكمبودي نوردوم سيهانوك والرئيس عرفات صديقان حميمان .. فمنذ الستينات وهما يتبادلان الدعم والتأييد ، سواء في اطار حركة عدم الانحياز التي تجمعهما ، او في في اطار هيئة الامم المتحدة والمحافل الدولية الاخرى .. والاهم من ذلك كان الرئيس عرفات قد نجح في وساطة بين الامير سيهانوك الذي كان يعمل خارج البلاد ، والسيد هونغ سين رئيس الوزراء الكمبودي الحاكم ، أسفرت عن ترتيب اول قمة بينهما في التاسع والشرين من نوفمبر ( اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ) عام 1989 في ضواحي باريس .. وكنت ممثلا للرئيس ياسر عرفات في تلك المبادرة التي دامت أكثر من أربع سنوات .. كان الامير سيهانوك قد عاد للعاصمة الكمبودية للتو بعد غياب طال ثلاث عقود .. طوال الرحلة وانا اجلس بجوار الرئيس احدثه عن المنجزات العظيمة التي حققتها الصين ، ونسترجع سويا تفاصيل المبادرة الكمبودية ونتائجها .. لقد لمس الرئيس عظمة الانجازات التي تحققت في الصين من خلال النهضة العمرانية التي شهدتها بكين ، ورفاهية الشعب التي تبدوا واضحة عليهم ، واسترجع المحطات الرئيسية في العلاقات الفلسطينية الصينية ، منذ لقائه الاول عام 1964 بالرئيس جو ان لاي في الجزائر وحتى ذلك الوقت .. وقد وصف الصين بانها " صاعدة وواعدة " .. ونحن في الاجواء الكمبودية ، تلقينا خبر اندلاع اضطرابات مسلحة في العاصمة الكمبودية التي حالت دون استكمال الرحلة وزيارة كمبوديا .. تابعنا الرحلة الى هانوي العاصمة الفيتنامية ، ومنها الى فينتيان العاصمة الاوسية .. الزيارة للبلدين الصديقين لم تطل اكثر من يومين ، التقى الرئيس عرفات خلالهما بأعلى الهرم القيادي فيهما ، الحزبي والحكومي والتشريعي ..
back next