وبالفعل بقيت في الصين امارس العمل الدبلوماسي بروتنياته غير المعتاد عليها .. دائما ما كنت اشارك بالنشاطات الدبلوماسية العامة ، الا ان علاقاتي كانت محصورة جدا لعامل اللغة .. وفي احدى المناسبات ، وبدون اي موعد او ترتيب مسبق ، وجدت نفسي اقف وجها لوجه مع جو ان لاي ، ذاك الرجل العظيم الذ شاع صيته ليتعدى الحدود الصينية ويسكن راسخا في قلوب شعوب العالم ، خاصة الشعوب والقوى المحبة للعدل والسلام .. جوان لاي الذي وضع مع نهرو المباديء الخمس للتعايش السلمي .. جوان لاي باندونغ نقطة لقاء شعوب اسيا وافريقيا وانبعاث حركة عدم الانحياز .. جو ان لاي الذي لم يتماسك نيكسون نفسه امام هيبته وعظمته لينحني احتراما امامه ومساعدته في خلع معطفه امام المدخل الرئيس للفيلا 16 لقصر الضيافة " دياو يوي تاي " .. جو ان لاي القائد الذي أحبه الشعب لدهائه السياسي وتواضع العظماء .. جو ان لاي امامي ، عيناه الثاقبتين ، وجنتاه المبتسمتين ، حواجبه التي تأخذ شكل الصقر المتألق بالهواء ، يده اليسرى المحنية باتجاه خاصرته ، نقل كأس الموتاي من يده اليمنى لليسرى مادا يده لمصافحتي ، والترحاب بي ، مستفسرا عن هويتي وطبيعة عملي ، ويسر حياتي في الصين واسئلة كثيرة صغيرة ودقيقة التي لا تصدر الا عن اب حنون متعطش لأن يرى مستقبلا مضيئا لابنه .. وبعد ان عرف بأنني عربي فلسطيني اعمل كدبلوماسي في بعثة منظمة التحرير الفلسطينية لدى الصين قال " الامتان الصينية والعربية امتان عريقتان ساهمتا بقسط وافر للحضارة البشرية .. الصداقة الصينية العربية صداقة تقليدية ، والشعب الصيني ظل على الدوام يقف الى جانب نضالكم العادل في استرجاع حقوقكم الوطنية المشروعة " .. حاول صديقي المترجم " كاو" افهامي ما قاله الرئيس جو ، الا انني لم استطع في حينه استيعاب كل شيء .. واختصارا للوقت ، واحتراما لجو ان لاي ، خاصة وان كل من في القاعة واقفون في انتظار الرئيس جو الانتهاء من جولته التي يقوم بها الى كل طاولة من الطاولات في القاعة وحرصه على تحية كل ضيف من ضيوفه على انفراد ، قلت " شكرا ايها الرئيس " .. وما كان منه الا وان ابتسم قائلا " اّفاق العلاقات العربية – الصينية رحبة ومستقبل التعاون بينهما واعد ، فنحن بحاجة الى الكادر الصيني الذي يتحدث العربية بمقدار حاجتنا الى الكادر العربي الذي يتحدث الصينية ، ليكونا جسرا لتمتين وتعزيز هذه العلاقات " .. عظمة هذا القائد بعظمة تواضعه .. كم تركت كلماته عظيم الاثر في نفسي ، ولعبت دورا مرشدا في صقل مستقبلي .. فلم تعد فكرة العودة قائمة دون انجاز المهمة التي اوكلني بها شعبي وقيادتي .. فظل حديث الرئيس جو حافزا ومشجعا لي على دراسة اللغة الصينية .. وبعد ايام من هذا الحدث ، وبينما كنت اجلس مع المترجم " كاو " قام بفتح قلبه لي قبل فتح حديثه معي ، قائلا " لا تعرف مدى حب الشعب الصيني للرئيس جو ، ولا تعرف مدى تواضعه وتفانيه ، لقد كرس حياته كلها في خدمة شعبنا ووطننا .. انه صديق الضعفاء والمقهورين وناصرهم على الحق والعدل .. كم انا سعيد بمصافحته ، وكم استرحت لحديثه معك .. سأبدأ تعلم اللغة العربية مهما كانت صعوبتها ، وعليك انت ايضا تعلم اللغة الصينية ، لنصبح معا وكما قال الرئيس جو ان لاي جسرا لاجراء المزيد من التبادلات والاتصالات والتعاون بين الصين والعالم العربي .. جامعة بكين من اشهرالجامعات الصينية ، وعلى الرغم من توقفها استقبال طلبة اجانب منذ بدء الثورة الثقافية ، الا انه بامكاني الاتصال بالدوائر الصينية المعنية لدراسة مثل هذا الطلب " .. اعجبتني الفكرة .. فعلى الرغم من امنية والدي بتدريسي مادة الطب ، الا ان هناك الكثير من الاطباء هنا في الصين وهناك في فلسطين ، بينما وكما اشار جو ان لاي الى ان توطيد العلاقات بحاجة الى كادر لغوي يسهل التبادلات والاتصالات ..
تعددت اللقاءات بيني وبين الرئيس جو ان لاي بتعدد النشاطات الدبلوماسية .. فذات مرة ، وبينما كنت اشارك في احدى الزيارات التي نظمتها الخارجية الصينية الى احدى المناطق ، وفي مأدبة عشاء اقامتها الحكومة المحلية على شرف الدبلوماسيين ، جلست الى جانبي عجوز مسنة من كندا .. تعارفنا وتناولنا اطراف الحديث حول الكثير من الامور .. الحت علي بمشاركتها شرب " الموتاي " ، فرفضت معتذرا .. الحت لدرجة صعوبة التهرب من مشاركتها .. قلت مداعبا بأنني اذا شربت فلن تستطيع مجاراتي .. اصرت على المنافسة رغم فارق العمر .. وما كان مني الا ان اضع امامي كأسا من الماء ، اعبيء منه كأس الموتاي كلما فرغ ، بينما بدأت هي بتناول الموتاي حقا .. وهكذا شربت حتى الثمالة .. من معنا على المائدة نبهوني بالتوقف ، ففعلت .. وهكذا بدى على العجوز علامة الفوز .. بعد دقائق ، ومع موعد انتهاء الحفل وخروج الحضور ، ابتسمت لها واطلعتها على حقيقة شربي للماء وليس الموتاي .. واذ بها تنقلب رأسا على عقب ، مبدية غضبها واستيائها بصوت لفت انظار من حولنا .. وبينما كان الرئيس جو ان لاي في طريق مغادرته للقاعة ، انتبه لها وعرج على مائدتنا ، وما ان عرف الحقيقة ، لقنني درسا لن انساه ، وفهمت منه ان على الانسان ان يكون صادقا مع نفسه قبل ان يكون صادقا مع الاّخرين ، وان لا يقبل للآخرين ما لا يقبله لنفسه ، طالبا مني الاعتذار لها والسهر على راحتها .. ازدادت عظمة هذا القائد وازدادت محبتي واحترامي له ، لا تفوته كبيرة او صغيرة ، شاردة او واردة .. كنت دائما شديد الحرص على تحضير بعض الجمل الصينية ، نطقا وتركيبا ، قبل اي فعالية او نشاط يمكن ان تسنح الفرصة لي في مصافحته او تحيته .. .. فكم ظل اعتزازي لا يوصف بهذين اللقبين : ابو حديد الفلسطيني من ياسر عرفات ، و لا مو الصيني من جو ان لاي ..
الرئيس شو ان لاي الصديق الصدوق ، لا ينسى اصدقاء الصين ولا يتخلى عنهم .. ففي مطلع عام السبعين وبينما كان الامير الكمبودي نورودوم سيهانوك في زيارة رسمية للاتحاد السوفياتي ، أطيح به بانقلاب عسكري قام به وزير دفاعه لون نول المدعوم اميركيا .. وعمدت الحكومة السوفياتية ابلاغه بهذا الخبر قبيل مغادرته العاصمة موسكو ، في اشارة منها الى عدم الترحاب ببقائه على اراضيها .. وما كان من الامير سوى اجراء اتصالات عاجلة مع الحكومة الصينية وتلقى دعوة عاجلة من الرئيس جو ان لاي لزيارة الصين زيارة رسمية ، واصدرت الحكومة الصينية بيانا نددت فيه الانقلاب وعدم شرعيته ودعم الامير سيهانوك وحكومته .. لقد خرجت بكين عن بكرة ابيها لاستقبال الامير .. قدم له الرئيس جو ان لاي كل الدعم والتأييد المادي والمعنوي .. فوفر له مقر اقامة وعمل وكل سبل الراحة .. فشكل الامير سيهانوك حكومته في المنفى التي ظلت الممثل الشرعي لكمبوديا في هيئة الامم المتحدة حتى انتصرت حرب الهند الصينية في منتصف السبعينات .. في تلك الفترة وعلى مدار اكثر من خمس سنوات ، كنت وبعض الدبلوماسيين من الدول النامية نتردد على مقر الامير كل يوم سبت لنلعب سويا كرة الريشة لساعات طوال قد تمتد لفجر اليوم التالي .. ربطتني علاقات صداقة متينة مع الامير الذي كان يطلق عليه الامير " الاحمر " لتاريخه النضالي ومعاداته للامبريالية والاستعمار ودعمه لحركات التحرر الوطني التي كانت تجتاح اسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية .. فقد شارك جو ان لاي ونهرو وعبد الناصر وتيتو غي مؤتمر باندونغ ، وكان من مؤسسي حركة عدم الانحياز وروادها ..
وحرب الهند الصينية على اوجها ،امر الرئيس جو ان لاي بافتتاح مدارس خاصة للطلبة اللاوسيين في مدينة نان نينغ الواقعة جنوب الصين .. وفي لقاء مع وزير الاقتصاد اللاوسي ( اّنذاك ) السيد سوت بيتراسي ، امر باستدعاء ابنتيه من نان نينغ لاستكمال دراستهما الجامعية في العاصمة بكين ، الكبرى في جامعة بكين والصغرى في جامعة بي ييه للطب وتوفير لهما كل سبل الراحة .. وهنا لابد لي وان اذكر الرئيس جو ان لاي على ذلك كون الابنة الكبرى عادت اليوم اما لاطفالي الخمسة ...
back next