الصين ، هذا البلد الصديق ، تربطني معه علاقة تفاعلية لا ينفصم عراها ، فكل منا شاهد على الاّخر ، فقد شهدت على مدار
الاربعين عاما الماضية التحولات العميقة التي مر بها ، بينما شهد فترة شبابي وادق تفاصيل حياتي بكل ما فيها من نجاحات واخفاقات ، فحكايتنا بدأت في فجر يوم قارص من شتاء عام 1968 ، وبينما كنت على رأس فصبل فدائي في الجولان ، حل الاخ ابو ابراهيم على احدى مجموعاتنا في " جاسم " ، لم اكن متواجدا في تلك الساعة هناك ، بل في قاعدة فدائية اخرى قريبة منها تدعى " الحارة " ، وما ان ابلغت بقدومه ، حتى سارعت بالتوجه الى حيث حل .. انه عبود ابو ابراهيم ، ومن لا يعرفة !! انه شيخ الشباب ، الفدائي الصلب والقائد الميداني لجميع عملياتنا الفدائية التي تنطلق من الاراضي السورية ضد الاحتلال الاسرائيلي .. عرفت سبب مجيئه ، هناك مهمة عسكرية سيكلفنا بها .. وهكذا جرت العادة .. عبود صانع المشاكل لي مع الشباب .. عند كل مهمة فدائية توكل لنا عادة ما يخلق جوا من عدم الرضا بين الشباب .. كل فدائي يرغب المشاركة في اي مهمة وطنية عسكرية ضد الاحتلال قبل غيره من الشباب .. فعملية الاختيار دائما مربكة ، وسبق وان اتفقت معه على ان تكون عملية الابلاغ سرا ، حتى يسهل علينا عملية الاختبار السري لمنفذي اي مهمة .. وبعد ان تصافحنا ، استمع لشرحي حول اّخر الاوضاع والتحركات في المنطقة .. قاطعني قائلا " مهمتي اليوم تختلف عن سابقاتها ، انت الهدف من مجيئي ، احمل لك رسالة من قائد قطاعنا الاخ نصر يوسف ، يطلب منك وبناء على تعليمات الاخ القائد العام ابو عمار مغادرة الجولان والتوجه فورا الى مقر القيادة في دمشق " .. بداية لم اصدق ، ورغم الحاحي لمعرفة السبب الا انه ظل غامضا .. ودعت بحسرة ومرارة رفاقي الذين تقاسمت واياهم الدمعة والابتسامة ، السراء والضراء ، على امل العودة السريعة اليهم ..
وما هي الا ساعات ، وذا بعبود ابو ابراهيم يمد يده ليسلمني وثيقة مرور تقول " تشهد حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح بان المناضل أبو حديد هو احد ضباط قوات العاصفة ، يرجى مساعدته وتسهيل مهمته .. وانها لثورة حتى النصر " .. وفي دمشق ، مقر قيادة الثورة الكائن في السبع بحرات ، والمعروف بمكتب " 23 " ، استقبلني الاخ مهند العامري ، مدير مكتب الرئيس ، وهو عراقي الجنسية ومن اعز اصدقائي .. حاولت ان اعرف سبب استدعائي دون جدوى .. استطعت ان استشف من الوالد ابوعمار والاخ ابو علي اياد اللذان التقيتهما في نفس اليوم ، بأنني سأتحرك مع بعض الزملاء الى الخارج في دورة تدريبية .. بالقرب من المقر فندق نتعامل معه ويشرف عليه بعض المن
تسبين لحركة فتح " فندق الكرنك " .. اقمت به بناء على تعليمات القيادة .. لم استطع النوم رغم هلاكي من التعب .. عصارة تفكير ليلة كاملة ، خرجت بنتيجة حتمية باننا سنتوجه اما الى الجزائر او مصر او الصين .. فقط تلك الدول التي كانت تستقبل كوادر حركة فتح .. الصين !! وهل يعقل !! ومن يدري !! لا ، لا يمكن .. ظللت ثلاث ايام بلياليها اعيش هواجس وهوس الصين .. اّخر ما عمر الله .. الصين ماو تسي تونغ وجو ان لاي .. الصين المناضلة !! الصين المعادية للامبريالية للاحتلال للاضطهاد ، الصين الكبيرة ، الصين خمس العالم ، الصين الثورة .. الصين حرب الانفاق حرب الالغام ، الصين التي يكتنفها الاسرار ...... الصين معلبات اللحمة " راس الخروفين " معلبات الخضار التي نعتاش عليها في قواعدنا ، والبطاطين التي نلتحفها في جبل الشيخ والرويسات وتلة الصاعقة ، والبدلات المموهة التي تقينا شر ملاحقة الطيران وجولاته الاستكشافية ، والغيتر الذي ننتعل ، والكلاشتكوف والسيمينوف والديكتريوف والار بي جي التي نحتضن لتحرير ارضنا وشعبنا .. وهل يعقل ان تكون الصين وليس غيرها !!! ، الصين التي تحدث عنها نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم " اطلبو العلم ولو في الصين " ، الصين التي وصفها الوالد ابوعمار بأنها " السند القوي لشعبنا وثورتنا " ..
بدأت الحظ بعض المعارف يتوافدون على الفندق ، الاسئلة والاستفسارات مقروءة على جباه الجميع .. الحيرة مشتركة والسؤال واحد .. وجهة سفرنا .. حافلة ركاب صغيرة تقف امام الفندق لتنقلنا جمبعا الى مكتب التعبئة والتنظيم لنستمع الى محاضرة توجيهية من الاخ عضو اللجنة المركزبة لفتح مسؤول التعبئة والتنظيم ابو ماهر.. فكلما تقترب الحافلة من المكان المحدد ، كلما اقتربنا من الجواب ، وبالفعل كانت هي الامنبة .. الصين .. الاخ ابو ماهر كان قد سبقنا في المجيء الى الصين وانتهال العلوم السياسية والعسكرية على بد المدربين والضباط الصينيين .. وهكذا استمعنا على مدار يومين كاملين الى محاضرات وارشادات من القيادة الفلسطينية تتوجت بلقاء الرئبس القائد ابو عمار .. في بيان فرز الاسماء على الدورات الذي تلاه ابو فتحي مدير مكتب القائد العام : محمد احمد الجزائر ؛ عباس قادر مصر ، ابو ذر الصين ، منذر رشيد الصين .. وهكذا دواليك .. انتظر بكل مشاعري واحساسي ، نبضات القلب تزداد نبضا مع كل اسم يتلى من الزملاء ، حتى جاء موعد تنهد الصعداء عندما تردد في سماء القاعة " ابو حديد الصين " .. " رائع " كلمة خرجت من اعماق قلبي وبصوت عال ودون اي شعور وليخرج معها عناء دام عدة ايام .. ضحكات ملأت القاعة ، قيادة وكوادر ، وليعقب الرئيس القائد ابو عمار قائلا : نعم الصين العظيمة التي لم تبخل علينا بشيء ، الصين التي ستغير يوما ما النظام العالمي ليصبح اكثر عدلا وانصافا " .. " الصين التي تقف في وجه الاستعمار والامبريالية ومعها جميع الشعوب والقوى المحبة للسلام في العالم " ..
وهكذا انقطع الشك باليقين .. نعم سأتوحه الى الصين لا غيرها .. عادت بنا الحافلة الى فندق الكرنك من حيث اقلتنا .. لملمت افكاري حيث ساقتني الذاكرة الى تلك الواقعة ، ملحمة الكرامة ، معركة سياسية استراتيجية قبل أن تكون عسكرية .. انها نقطة تحول في نضالنا العادل والحق .. معركة مصيرية لا نقدرعلى خسارتها ابدا .. تجمع على وضع تكتيكاتها وتفاصيلها الكادر العسكري الفلسطيني الذي حالفه الحظ قبلنا في انتهال علوم حرب العصابات في الصين .. لقد اندمج فيها التجربة الصينية بالواقع الفلسطيني لينبثق عنها فنون جديدة في حرب العصابات .. نعم هكذا قال علي حجاج ، الذي شارك في اول دورة تدريبية فلسطينية في الصين ، في احدى محاضراته لنا " لا يمكن نسخ تجارب الشعو
ب والثورات ، بل علينا ان نأخذ في عين الاعتبار الظروف الموضوعية التي نعيشها ، والا فسوف يصير بنا كمن يبري قدميه لتلائم الحذاء " .. فقد جاءت معركة الكرامة على أثر التراجعات والهزائم المتلاحقة التي لحقت بالشعب الفلسطيني ، وتراكم شعور اليأس والإحباط طيلة السنوات الماضية ، من هزيمة حرب فلسطين حرب 48 التي احتلت إسرائيل خلالها - خروجاً على قرار هيئة الأمم المتحدة 181 - ما يقارب ثلثي مساحة فلسطين بما فيها القدس الشرقية ، وضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية الى كل من الاردن ومصر - الضفة الغربية أخضعت للسيادة الاردنية ، وغزة للسيادة المصرية - وطيّ الملف الفلسطيني في هيئة الامم المتحدة ليتحول من قضية سياسية تتمثل بطرد شعب بأكمله من أرضه ووطنه بالدبابات والطائرات وبالمذابح والمجازر ، وتهجيره الى الدول المجاورة ليعيش في مخيمات بالية لا تقيه حرارة الصيف ولا برودة الشتاء ، وخلع اليهود من مجتمعاتهم في الدول الغربية ، بأساليب الترغيب والترهيب ، وتهجيرهم الى فلسطين ليحلوا محل شعبها الأصليين الذين يعيشون قسراً في مخيمات الشتات المتناثرة هنا وهناك في الدول العربية المجاورة ، يحتفظون بمفاتيح بيوتهم و ينتظرون العودة إليها .. وصولاً إلى حرب 67 ، التي احتلت فيها إسرائيل جميع ما تبقى من فلسطين إضافة الى الجولان السوري وسيناء المصرية ، وصدور قرار مجلس الأمن الدولي 242 ، الأكثر ظلماً وإجحافاً من مثيله 181 الذي أقر عام 47 ( قرار242 أعطى الشرعية لاحتلال اسرائيل لكل الاراضي التي احتلتها عام 48 خارج قرار 181 ) .. وهكذا هي السياسة الاسرائيلية التوسعية التي لاقت الدعم والتأييد الامريكي في جميع المجالات وعلى كافة الأصعدة ..
حرب 67 بداية تلمّسي الطريق :
هكذا سلب أكثر من نصف الوطن خلال حرب الاحتلال الاولى عام 1948 ، تلك الحرب التي جزأت البلاد وفرقت الشمل .. وبعد حرب 1967 هاجرت مع بعض أفراد أسرتي من جديد الى الأردن . خرجنا تحت أزيز الرصاص ودويّ القنابل وقصف الطائرات . غادرنا وفي أذهاننا قصص حية عن مذابح دير ياسين وكفر قاسم والدوايمة ، وعشرات القرى التي دمرها اليهود على من فيها ، ودفنوا أهلها في قبور جماعية.. أما والدي فلم يكن يخامره أدنى شك في أننا عائدون 0 لم يكن يدرك أن هذه الرحلة هجرة . كان متأكداً من أن الطريق الوعر الذي يسير فيه نحو الأردن هو نفس الطريق الذي سيعود منه قريباً ..
أكثر من مرة أشار لي كي أجلس بجانبه . كان معه مفتاحان كبيران .. واحدٌ لبيتنا في قرية سفارين ، والثاني لمحله التجاري في بلد الشيخ التابعة لحيفا . اعتاد أن يحمل المفتاحين بحنوّ بالغ ويمسحهما بالزيت ويلفهما بقطعة ناعمة من القماش .. كان يفعل ذلك وغيمة من الدموع تتجمع في عينيه .. كان يقول : المفتاح المستعمل لا يصدأ !
كانت الأمور تسير من سيئ الى أسوأ في المخيمات التي أقيمت للفلسطينيين في المن
فى الإجباري في خيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء حيث تحالف ضد شعبنا الفقر و المرض و الاضطهاد والتشرد والعناء إلى جانب العيش في الخيام والمنافي والشتات .
في منتصف الستينات غادَرَنا والدي الى الضفة الشرقية من نهر الاردن بحثاً عن لقمة العيش التي أصبح الحصول عليها معركة أخرى أشد قسوة على شعب كان يملك أرضا معطاء و بيارات و غلالاً وفيرة فقدها ليعيش على مساعدات وكالة غوث اللاجئين . لكن بالرغم من هذه الحياة القاسية والمذلة بدأ الأمل يداعب قلوبنا في عام 1965 بعد انطلاق ثورتنا المسلحة ، حيث اطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح الطلقة الاولى ضد الحتلين الصهاينة في الفاتح من كانون الثاني ولتتصاعد المقاومة كما ونوعا لتحول حياته الى جحيم و تحرمه المتعة بالوطن الذي سرقه من أبنائه.
في تلك الفترة لم نكن نملك أمرنا في ظل وضع عربي مهزوم عاجز عن حمايتنا و حماية حقوقنا و فرضت علينا التبعية كشعب أعزل ليس له تمثيل ولا صوت مسموع مما جعل العمل الفدائي المقاوم سرياً إلا أنه كان مؤثراً خصوصاً على وعي شعبنا حيث وجدت المقاومة عند هذا الشعب المتعطش لوطنه و كرامته و هويته تربة خصبة للتجذر و النمو ..
منظمة التحرير الفلسطينية تأسست قبل انطلاق الثورة و لكن شعبنا كان ينظر بعين الأمل الى الثورة الوليدة أكثر من منظمة التحرير التي كانت رهينة للأنظمة العربية التي أنشأتها ، حيث إن كل لواء من ألويتها كان محكوماً من قبل جنرالات النظام الذي يستضيفه ..
استطاع العدو الصهيوني عام 1967 أن ينتصر على الأنظمة العربية ، وسقط الجزء المتبقي من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري وسيناء المصرية ، وسيطر العدو على أضعاف المساحات التي سرقها عام 1948 و ازداد عدد المشردين بعد طرد أعداد من سكان الضفة الغربية ، و تقريباً كل السوريين من الجولان المحتـــل وبالرغم من ذل الهزيمة أصر شعبنا الفلسطيني على أخذ زمام المبادرة و سحب أوراق قضيته من مكاتب الأنظمة العربية والاعتماد على نفسه في تحرير الأرض والشعب ..
حرب 1967 أثبتت قدرة إسرايل على الإنتصار بسهولة على الأنظمة العربية ، كما أثبتت قدرة المقاومين الفلسطينيين على حرمان إسرائيل من متعة النصر ، و تحويله إلى معاناة يومية لجنوده على الأرض. حيث تشير الاحصائيات إلى وقوع 146 عملية فدائية عام1965 و 550 عملية عام 1966 و 146 عملية عام 1967 و 667 عملية عام 1968
.
منذ بداية العمل الفدائي المسلح ومع الطلقة الأولى و تفجير نفق عيلبون اشتعلت في صدري لوعة الشوق لمشاركة الفدائيين الكفاح والمساهمة في استعادة الحق الفلسطيني و إعادة العزة لأمتي العربية التي أذل أنظمتها تفوق الجيش الصهيوني تكنولوجياً . وكان هدفي حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح الأكثر فعالية و ذات المنهج الفكري القادر على استيعاب كافة شرائح المجتمع الفلسطيني و المؤمنة بحرب الشعب طويلة الأمد كطريق للتحرير و استعادة الحقوق.
فتح جاءت لتخلص العرب و اليهود من الإرهاب الصهيوني ، و رفعت شعار الدولة العلمانية التي تراعي مصالح جميع مواطنيها مسلمين و يهوداً و مسيحيين. لم تعادِ فتح اليهودية كدين بل على العكس ومنذ الانطلاقة آمنت بالتعايش مع اليهود و أرادت أن تخلص اليهود من عنصرية الحركة الصهيونية.
جاءت حرب عام 1967 لتزيد من إصراري على خوض هذا الطريق ، و أصبحت حركة فتح بالنسبة لي معشوقة أحلم بها أحلام يقظة قبل الحرب بسبب سريتها. نحن أبناء ذلك الجيل لم نعش طفولتنا و مراهقتنا كباقي الأطفال و اليافعين في العالم بل كانت المقاومة حلماً يداعبنا منذ الطفولة ، بل كان هذا الحلم جزءً من مراهقتنا و ساهم في ذلك أن عقد الستينات كان عقد الثورات و حركات ا لتحرر على مستوى العالم. و كان لأخبار المقاتلين من أجل الحرية في كافة أنحاء العالم تأثيره العميق على طريقة تفكير أبناء جيلنا الذي سيطر عليه فكر المقاومة بمباركة و تشجيع من آبائنا الذين كانت ترنو عيونهم عبر الحدود إلى أرضهم و بيوتهم و ذكرياتهم و حقولهم وكرومهم ، بل كانت ترنو تلك العيون إلى لحظة كرامة بعد هزائم الأنظمة العربية المتكررة.
الحقيقة أن جيلنا ترتبت عليه مسؤليات عظيمة و لم يكن هناك وقت للتنظير ، ولا بد من إيقاظ وعي الشعوب العربية بالخطر الصهيوني ، و كان العمل هو السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف قبل اللسان فدعونا الناس بأفعالنا قبل أقوالنا.
اول شبل في حركة فتح
لم ينته عام 1967 الا وكنت اصغر مقاتلي قوات العاصفة الذراع العسكري لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح .. وهكذا بدأت مسيرتي في قواعد حركة فتح في الأردن و سوريا و لبنان .. و لا أزال أذك
ر تلك الرحلة التي أخذتني إلى سوريا و دخولي لها بطريقة غير شرعية قاصداً إحدى قواعد حركة فتح في منطقة الهامة إحدى ضواحي العاصمة السورية دمشق حيث التقيت بأسد فتح الشهيد الخالد أبو علي إياد ، الذي كان يعاني من إصابة أفقدته الحركة بإحدي رجليه و إصابة ثانية أفقدته البصر بإحدي عينيه .. وبعدها خضعت لدورة تدريبية ، سياسية وعسكرية مكثفة وقصيرة جداً لم تتعد الخمسة عشر يوماً .. وما زلت أذكر هدهد وحسام وعلي حجاج ومن ثم منذر رشيد .. وغيرهم الكثير .. فعدا تدربي على استخدام الأسلحة الخفيفة والبدائية التي كانت بحوزتنا آنذاك ، استفدت كثيراً من العلوم العسكرية وتكتيكات حرب العصابات ، وخاصة التجربة الصينية في هذا المجال على أيدي المدربين الذين سبق وان انتهلوا هذه العلوم من خلال دورات تلقوها في الصين.. .. لقد اطلعت على عظمة الصين وبطولات شعبها ضد الغزاة والمحتلين الاًجانب ، وابتكارهم لفنون وتكتيكات عسكرية جديدة لحرب العصابات .. فعلى الرغم من اختلاف ألاوضاع الخاصة بالصين عما هي عليه في فلسطين الا انها كانت مفيدة جداً لنا روحياً وعملياً .. فمن حرب الاًنفاق إلى تكتيك محاصرة المدن من الاًرياف إلى التراجع أمام الهجمات المركزية للعدو وإنهاكه في ضربات الكر والفر وملاحقته عند الانسحاب .. الخ ، والاًهم من ذلك الجماهير وأهمية الالتصاق بها والحفاظ على مصالحها .. ومن ثم فرزت للعمل على الخطوط الاًمامية في لبنان والمتاخمة لشمال أراضينا الطيبة فلسطين .. هناك في قرى كفر شوبا وكفر حمام والهبارية التي فتحت لنا صدورها قبل بيوتها ، ومن ثم عملت في الجولان السورية ، في جاسم والحارة وغيرهما من المناطق المتقدمة .. نعيم العرقوب ونصر يوسف الجولان وأبو ذر وسليم أبو علي وعلاء الدين حسني و صقر مجاهد وسامح عبد المجيد وأبو نادر الكسواني وغيرهم الكثير الكثير ، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ..
كانت حياة القواعد جميلة ورائعة ، يسودها روح الإخاء والصفاء والتعاون والتفاني ، وشعور بالعزة والكرامة والإباء والعطاء .. الكل فينا مشروع شهادة .. والاًرض تنادينا عن قرب ، وهواؤها العذب نستنشقه كل هبة نسيم .. حوّلنا الاحتلال الى جحيم ، لا يعرف الطمأنينة والاًمان ، وغرسنا في شعبنا الاًمل .. وأذكر تماماً تلك الأيام والليالي التي كان فيها العدو يحتل كفر شوبا نهاراً ونحرّرها ليلاً .. كنا نكبر بشعبنا الصامد المعطاء ويكبر فينا ..
أمام تراكم اليأس والإحباط لمآسي نكبة 48 ونكسة 67 ، والانتصارات الاسرائيلية العسكرية الساحقة على الجيوش النظامية العربية ، كان عالمنا العربي يعيش في حالة لا يحسد عليها من الانهيار النفسي ، تسيطر عليه خرافة " الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر " ، والتصريح الذي صدر عن موشي ديان بعيد حرب حزيران 67 يعكس ما وصلت إليه العنجهية الاسرائيلية حين قال : إنني بانتظار رنين الهاتف من جمال عبد الناصر يطلب مني شروط الاستسلام والصلح مع اسرائيل .. إلا أن الجواب جاء من رجال فتح الذين كثفوا من هجماتهم وضرباتهم الموجعة لتجمعات ومواقع ودوريات جيش الاحتلال الاسرائيلي .. كما قررت حركة فتح في اجتماعها الذي عقد في نفس شهر عدوان 1967 ، نقل قواعدها من الخارج الى داخل الاراضي المحتلة .. وكانت منطقة الكرامة منطقة العبور لهؤلاء الثوار ، كما أنها أيضاً كانت مجمعاً قسرياً لمئات الآلاف من الفلسطينيين النازحين .. وهكذا أصبحت منطقة الكرامة أكثر المواقع ملاءمة لالتحام الجماهير بالثوار وأرضية خصبة وقاعدة صلبة لمئات من فدائيي قوات العاصفة ( الجناح العسكري لحركة فتح .)
في مطلع عام 1968 ، وصلت تقارير استخباراتية عسكرية تؤكد أن العدو الاسرائيلي يقوم بحشد أعداد كبيرة من آلته العسكرية على الضفة الغربية من نهر الاردن المواجهة لمنطقة الكرامة ، استعداداً لاجتياحها .. وبهذا الصدد كان ليفي شكول رئيس الوزراء الاسرائيلي قد أعلن في الكنيست الاسرائيلي عن عزم الجيش الاسرائيلي على تحطيم الثورة والقضاء على الثوار في تلك المنطقة ..
بدأت القوات الاسرائيلية عملية قصف يومية ، مما دفع حركة فتح الى قرار نقل التجمعات المدنية في مخيمات الطواريء وسكان بلدة الكرامة الى مناطق بعيدة عن مرمى المدفعية الاسرائيلية 0 ومع نهاية شباط 1968 ، كادت البلدة تكون خالية من المدنيين ..
أخذت حركة فتح تتابع تصريحات قادة الجيش الاسرائيلي وتراقب تحركاته العسكرية ، وأصبح الهجوم على الكرامة مؤكداً . كان هذا الوضع يتطلب وقفة جادة ، ومواجهة الهزيمة بالتحدي العملي ووضع حد للانهيار النفسي وإعادة الثقة لها واستنهاض قوى الأمة العربية .. وبما أن فتح عادت الأمل الوحيد لشعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية ـ ولم يكن أمامها خيارُ آخر سوى الصمود والالتحام مع قوات الاحتلال مهما كلف الثمن وعظمت التضحيات ..بينما السؤال الثاني الذي كان يطرح نفسه ، كيف يكون ذلك ؟ هل المطلوب الصمود وخوض معركة حاسمة وجهاً لوجه ، أم اللجوء إلى ما هو متعارف عليه وما تعلمناه من قوانين حرب العصابات ؟
القرار اتخذ من قبل القيادة ، الصمود والمواجهة والإنتصار . بدأ الإستعداد للمعركة المنتظرة 0 المعنويات لا توصف .. حفر الخنادق على قدم وساق ، والمواقع الدفاعية ، الترابية منها والإسمنتية لا تعد ولا تحصى . .وحقول الألغام زرعت في كل الأماكن المرتقبة لتقدم العدو ، والتدريبات الحية على كل ما يمكن حدوثه وتطوره على أرض المعركة ، حتى على تلك الحالات الأسوء والتطورات الأقسى والأصعب .. بعض مجموعات حركة فتح في الجولان وجنوب لبنان هبت للمشاركة في معركة الشرف والكرامة .. نعم لقد قالها الشهيد الرمز القائد أبو عمار قبيل المعركة " إنها الكرامة .. معركة الشرف و الكرامة .. كرامة الأمة العربية من محيطها الى خليجها" ..
تم توزيعنا الى مجموعات صغيرة ، كل مجموعة مسلحة بأسلحتها الفردية الخفيفة ومن ضمنها القاذفات المضادة للدروع من طراز RBJ 7 وRBJ 2 .. لكل مجموعة مهام محددة وأهداف معينة .. وضعت الخطة على أساس أن تكون المعركة الأساسية مع قوات العدو وسط البلدة في عملية التحام ومواجهة بما يضمن شل دور سلاح الجو الاسرائيلي ، في الوقت الذي نعمل فيه على إعاقة تقدمه واستدراجه الى النقطة التي نريد ..
وفعلاً بدأت أرتال الدبابات الاسرائيلية بعبور النهر تحت حماية جوية تغطي السماء ، وقنابل وصواريخ المدافع تحرث الارض وتحرق ما عليها .. قواتنا هادئة ولم تحرك ساكناً ، الكل في موقعه وفق الخطة التي رسمتها القيادة .
. بحيث لم نعط قوات العدو أي فرصة لكشف أي موقع من مواقع كمائننا وعسكرة مجموعاتنا ، الكل محافظ على أعصابه ويعي جيداً الدور المنوط به .. زمنياً وعلى الارض ، القيادة كل القيادة على رأس مجموعاتها لتعطي الأوامر في اتباعها وليس أوامر إرسالها .. يا لها من لحظات تاريخية .. لا أحد يعرف ما يختلج في صدر الآخر .. إلا أن الجميع يلتقون على هدف واحد : إما النصر أو النصر .. إنها معركة لا يمكن لنا الهزيمة بها .. إنها أم المعارك .. شعبنا الفلسطيني في كل أماكن تواجده ، أمتنا العربية كل قلوبها معنا وتتطلع إلينا .. المعركة غير متكافئة بين فئة قليلة تقدر بعدة مئات من الفدائيين المسلحين بأسلحة خفيفة بدائية وبايمان مطلق بعدالة قضيتهم ، امام حشد كبير من دبابات العدو ومجنزراته المحمية بسلاح طيران الأقوى في العالم والمعززة باحدث ما أنتجته الترسانة الحربية الامريكية .. لقد قدر المراقبون والمحللون في تلك الفترة تعداد جيش العدو بخمسة عشر ألف جندي ، ولا زلت اذكر تصريحات وزير دفاع العدو موشي دايان حين قال إن المقاومة الفلسطينية كالبيضة في يدي أستطيع كسرها في أي وقت أشاء .. اصطحب جيش العدو مراسلين لصحف ووكالات أنباء عالمية مع جيشه ليشهدوا تحطيم البيضة .. ولم يكن يعلم بأن قشرَ بيضة المقاومة أقسى من دباباته و دروعه ..
المجموعات المتقدمة تصدت واستبسلت 0 اقتحام أرتال دبابات العدو من كل حدب وصوب ، من الخلف ومن على الجناحين .. العدو أوقف لبرهة تقدمه ، الطيران يحرق المنطقة ، اقتحامات بطولية .. الخطة تسير وفق المرسوم .. غابة البنادق والكمائن المتلاحقة أفقدت العدو صوابه .. كلما تقدم ازدادت المقاومة حدة وكثافة .. بالنسبة لنا المعركة لم تبدأ بعد .. مقاومة المجموعات المتقدمة واستبسالهم منع العدو من تحقيق خطته وأعاق تقدمه .. وما أن وصل العدو النقطة التي نريد ، وإذ بمعارك لم يشهدها العدو من قبل وجهاً لوجه ، لم تعد طائراته تشفع له ، الفدائيون تجاوزوا عقدة الموت والحياة ، هجمات استشهادية لم يألفها العدو ، الشهادة او النصر ، ( دونغ سونغ روي وحرب الانفاق والالغام ... الفلسطيني الفوسفوري وابوشريف .. تشبيه معركة الكرامة بمعركة صينية كثرت فيها العمليات الاستشهادية ) ، حرب عصابات من نوع جديد .. ثلاث ساعات ليس أكثر من لسع الدبابير ومعارك الانفاق والالغام ، حولت مهمة القوات الاسرائيلية الغازية من الهجوم الى الدفاع .. اشتدت ضرباتنا وتكثفت هجماتنا ، قوات العدو في مدبرة ، تلسع من هنا وهناك 0 ليفي شكول اعترف " أن قواته دخلت عش الدبابير " .. وحدات من الجبش الاردني تشارك ، قوات العدو ترتبك ، فقدت السيطرة على نفسها ، تنسحب دون لملمة خسائرها ومجموعاتنا الخلفية تهاجمها من هنا وهناك .. بشائر النصر في كل العواصم العربية ، الجماهير تهتف لفتح ابو عمار ..
أنهت حركة فتح خرافة " الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر " .. لم يصدق أحد أن أفراد الجيش الاسرائيلي لهذا الحد من الجبن والارتزاق من خلال الذي وجدناه داخل الدبابات التي خلفها العدو في ساحة المعركة وجنوده مكبلين بالسلاسل داخلها .. إنها حقيقة ..
فعلاً نجحت الثورة الفلسطينية الوليدة بقيادة حركة فتح في أن تجعل معركة الكرامة نقطة تحول في تاريخ أمتنا العربية بشكل عام والشعب الفلسطيني بشكل خاص ، وأعادت الكرامة والثقة للأمة العربية .. حيث كانت الثورة ضمن إمكاناتها عاجزة عن استيعاب الأعداد الكبيرة من المتطوعين العرب وأهلنا في الشتات 0 أصبح الشعب الفلسطيني بأسره شعباً مقاوماً 0 عشرات التنظيمات الفلسطينية برزت ، وتوحدت فيما بعد في إطار منظمة التحرير الفلسطينية ، الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني .. اعتراف دولي واسع وتأييد شعبي واسع .. هيئة الامم المتحدة تعود وتضع ملف القضية الفلسطينية على جدول أعمالها بعد أن ركنته داخل أدراجها أعواماً طويلة ..
الكرامة أثبتت أن حرب الشعب طويلة الأمد هي الطريق الوحيد لتحرير الأرض والانسان ، وأثبتت أن المقاتل المؤمن بعدالة قضيته والمسلح بالبندقية المسيسة الهادفة أقوى من أية تكنولوجيا حربية ..
معركة الكرامة اصبحت مدرسة .. علمتنا الكثير الكثير .. ان التجارب والظروف الخاصة لاي دولة او اي حركة ثورية هي مصدر ابداع القرارات والاساليب والسياسات الصحيحة ، وليس التطبيق الاعمى لتجارب الناجحة للاّخرين .. وان العالم لا يحترم ولا يتعاطف مع طلاب الحق الضعفاء وانما يحترم الاقوياء الذين يصمدون وبضحون من اجل حقوقهم ، بمثل ما يرفض صلف وغطرسة اصحاب الباطل .. بدأ الشعب الفلسطيني يشعر بتعاطف وتضامن العالم معه وبدعم نضاله العادل والهادف الى استعادة حقوقه الوطنية المشروعة بما في ذلك حقه في العودة الى وطنه ، وحقه في اقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف .. فبعد ان كانت حركة فتح تعمل في الخفاء ، عادت هوبة فتح ، جوازا يحترمه العالم العربي دولا ومواطنين .. لا زلت أحتفظ بتلك الورقة المكتوبة بخط اليد والتي اجتزت من خلالها نصف حدود الدول العربية " تشهد حركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح بان المناضل أبو حديد هواحد ضباط قوات العاصفة ، يرجى مساعدته وتسهيل مهمته .. وانها لثورة حتى النصر " .. هذا هو جواز سفر حركة فتح في تلك الفترة ..
back next