【 首 页 】 【阿中关系】 【中东问题】 【经贸关系】 【شؤون سياسية】 【ثقافة واقتصاد】 【صحافة واعلام】 【مقالات استراتيجية】  
【信息中心】 【企业介绍】 【驻华阿拉伯】 【数字和事实】 【الصين حقائق وارقام】 【مؤسسات صينية】 【المركز العربي للمعلومات】 【الجالية العربية】  

(كشف وثائق سرية(1
No : 2005/ SP/001

كشف وثائق سرية  حول

مبادرة  الرئيس الراحل ياسر عرفات لحل النزاع الكمبودي

الدكتور مصطفى السفاريني

 

القصل الاول : كمبوديا ..  تاريخا وحضارة

 

كمبوديا اليوم هي ما تبقى من امبراطورية الخمير القديمة التي لمعت واشتهرت ما بين القرنين التاسع والرابع عشر كاقوى واكبر امبراطوريات جنوب شرقي اسيا مساحة  ونفوذا وقوة .

 

تبلغ مساحة كمبوديا اكثر من 180 الف كم مربع  .. تحتل الاحراج نصف مساحتها والمياه عشرها تقريبا بما في ذلك نهر الميكونغ الشهير الذي يخترق دول الهند الصينية الثلاث –لاوس، كمبيوديا و فييتنام-  ليصب في بحر الصين ،  بينما تحتل الاراضي الخصبة والصالحة للزراعة ما يقارب 40% من مساحتها ، ويبلغ عدد سكانها ما يقارب الثمانية ملايين نسمة ، تحتل قومية الخمير 85%   بينما تشكل القوميات التي هاجرت اليها من الشمال  هربا من  الحروب الطاحنة  وويلاتها وسعيا وراء العيش والرزق ، النسبة المتبقية  ..  تميزت القوميتان  الهندية والصينية عن باقي القوميات والقبائل البدائية المتناثرة ، حيث سكنت  القومية الصينية السهول والمدن وسيطرت على المرافق التجارية الى حد بعيد ، بينما اهتمت القومية الهتدية بنشر الديانة البوذية وتشييد المعابد ، واصبحت البوذية الديانة الاكثر اعتناقا وانتشارا في المنطقة لجانب الديانة الاسلامية، التي حملها التجار المسلمون القادمون من الهند عبر افغانستان لتتركز في كل من اندونيسيا وماليزيا وكمبوديا .

 

تشكل كمبوديا  مع كل من بورما ، ولاووس ، وفيتنام ، وماليزيا ، واندونيسيا ، والفلبين ، وسنغافورة ، ولروناي ، ما يعرف اليوم  بمنطقة جنوب شرقي اسيا  ، التي خضعت  ابان الثورة الصناعي الاوروبية  في القرن التاسع عشر تحت الاستعمارين ، الفرنسي  والبريطاني ، عدا  اندونيسيا الي  خضعت للاستعمار الهولندي  ، وتايلاند  التي بقيت  منطقة فصل بين الاستعمارين ..

 

يحد كمبوديا من الشمال  جمهورية لاووس الديمقراطية الشعبية  ومن الجنوب خليج سيام " GULF SIAMM  " على بحر الصين الجنوبي ، ويحدها من الشرق وجنوب شرقها جمهورية فييتنام الاشتراكية ،  ومن الغرب وشمال غربها مملكة تايلاند .

 

هناك روايتان حول اشتقاق اسم كمبيوديا ، الرواية الاولى  قائمة على اقتباسها من اسم (Kambu svayambhunva) . وهو اسم قائد دعا الى اقامة كيان خميري خاص بهم ، بينما تقوم الرواية الثانية على اسم المكان الذي انطلقت منه اولى الهجرات الهندية للمنطقة في وادي (Kabul) والذي يدعى (Kampuja)المرجع : HISTORY OF ASIAN NATIONS .. BY GREGORIO F. ZAIDE. 1980. PAGE 144  

 

اما العاصمة فنوم بنه Phnom Penh  والتي تعد ما يقارب المليون نسمة تتسم باهمية خاصة لموقعها الاستراتيجي على تقاطع نهري الميكونغ Mekong وتونال ساب Tonal Sap حيث تلعب دورا مؤثرا في حياة البلاد الاقتصادية خاصة وان مرفأها هو المرفاء  الوحيد للبلاد ،  ونهر الميكونغ بقي هو الطريق الوحيد الذي يربط كمبوديا بالعالم لغاية عهد نوردوم سيهانوك (Norodom Sihanouk)  ، الذي قام ببناء مرفا جديد في مدينة (Kom Pong Som) الواقعة على خليج سيام والتي سميت فيما بعد (Sihanouk ville).

 

هناك روايات كثيرة تؤكد ان فنوم بنه اخذت تسميتها من اسم راهبة بوذية تدعى بنه (Penh)  . كانت قد شيدت معبدا بوذيا على التلة التي اقيمت عليها  العاصمة وسميت باسمها ـ تلة بنه ، وتعني باللغة الكمبودية المحلية (Phnom Penh) .

 

كمبوديا دولة ملكية ذات حضارة عريقة وقديمة عرفت بدولة الخمير ، او الملوك الالهية ، ويعود تاريخها الى اربعة الاف سنة  ، الا ان ظهورها  كشعب ودولة بدأ  يتبلور في القرن السادس بعد ان توج نضالهم الشاق والطويل بالانتصار وتأسيس مملكة خاصة بهم سميتTHE KHAMER KINGDOM OF CHENAL   ، وقد سمي بايافارمان BHAYAVAR MAN  اول ملك للخميريين وذلك  بعد الاطاحة  بأول  امبراطورية  قامت في الهند الصينية  اثر الهجرات الهندية الكبرى التي امت منطقة جنوب شرقي اسيا  على يد امير هندي  يدعى  كاوندنيا KAUNADINYA   ، الذي استطاع في بداية الامر اقامة مملكة فونان FUNAN  ثم توسع بها  واخضع جميع المماليك المجاورة تحت سيطرته ، وتمكنت هذه الامبراطورية  السيطرة التامة على الممرات البحرية  في جنوب شرقي اسيا ، كما استطاعت  بقوتها ونفوذها  اقامة علاقات  تجارية  ودبلوماسية  مع اكبر دول المنطقة  كالصين والهند ...

 

ظلت  كمبوديا ، ومنذ بدايات العصر المسيحي وحتى منتصف القرن السادس ، جزأ من اراضي مملكة فونان . وبعد فترة من الفوضى وعمليات الانفصال في الشمال والجنوب التي استمرت طوال القرن الثامن عشر تقريبا جاء الامير جايافارمان الثاني (Jayavar man II 802-850)  المنحدر من  سلالات الممالك القديمة ، والذي  اظهر براعة منقطعة في قيادة شعبه واعاد وحدة بلاده  ، حيث اطلق عليه محرر البلاد وموحدها ..  شكل عهده بداية بزوغ عهد انكور Ankor الشهير الناصع في التاريخ الكمبودي  ، وبداية انبعاث امبراطورية الخمير القوية التي امتدت غربا لحوض سيام  في تايلند وشرقا باتجاه فيتنام حتى وصلت النهر الاحمر ( هانوي ) مخضعين غالبية المناطق والمماليك المجاورة  تحت سيطرتهم.

 

في عهد جايافارمان السابع Jayavar man VII 1181-1218 شيدت مدينة انكور عاصمة الامبراطورية الخميرية بشكل اصبحت فيه موضع افتخار لكل الخميريين ومضرب الامثال بروعة بنائها وعظمة قصورها ومعابدها الذي لا يقل  جمالها وعظمتها عن جمال  روما القديمة بقصورها المزخرفة ومعابدها الفريدة .

 

لم يطل شمس امبراطورية الخمير ، وسرعان ما بدء بالمغيب والانحطاط بعد وفاة جايافارمان السابع  ، وخاصة  بعد القرن الرابع عشر الذي ظهرت فيه الانقسامات والتجزئة والحروب الاقليمية ، واصبحت كمبوديا عرضة لهجمات الدول المجاورة وخاصة فيتنام وسيام ( تايلاند )  بعد ان كانتا مستعمرات لها ، ففي عام 1431 استطاعت تايلاند من هزم امبراطورية الخمير واحتلال عاصمتها وسلب جميع ثرواتها وخيراتها ، وهرب زعماء الامبراطورية ليستقروا عام 1434 في منطقة الروافد الاربعة  المنطقة المقام  عليها حاليا العاصمة فنوم بنه  ،  حيث اعادوا تنظيم انفسهم من جديد ، وشيدوا قصورهم فيها ..  كانت تلك الفترة مؤشرا لنهاية عصر انكور الزاهر  في التاريخ الكمبودي  ..

 

تعاقب الملوك على كمبوديا وكان اشهرهم  الملك  أنغ  شان  AN SHAN   في القرن السادس عشر ، حيث بنى البلاد والجيش ودحر الهجوم السيامي ( التايلاندي ) ، وعاشت البلاد فترة استقرار في عهده ( توفي عام 1566 )  .. وفي نهاية  القرن ، قام السياميون  باعادة احتلال كمبوديا  ، فلجأ ملكها  الى لاووس ، وبقيت البلاد تحت نفوذ وسيطرة  ملوك سيام  لسنوات طويلة ..  تدخلت بعض الدول  الغربية في شؤونها  وخاصة البرتغال وهولندا  ، وتوالت الحروب  والنزاعات  بين افراد العائلات الحاكمة  طيلة القرن السابع عشر  ، فغدت كمبوديا  شبه مجزئة  بين سيام ( تايلاند ) من جهة  وفيتنام من جهة اخرى ...

 

في عام  1846 تاّمرت تايلاند على كمبوديا وعينت اميرا من الامراء الكمبوديين  يدعى انغ دونغ Ang Dung  ملكا عليها  ، الا ان هذا الملك رفض الاذعان والخنوع وقام بنضال دؤوب رافعا راية الاستقلال والسيادة  .. اضطر الملك نوردوم الاول (Norodom I 1860-1904) الى مقايضة الفرنسيين عام 1863  ، التنازل عن الاستقلال الكمبودي مقابل الحماية ضد الهجمات السيامية والفييتنامية لوضع حد لنهب وسرقة خيرات كمبوديا ، جاءت هذه المقايضة في مرحلة كانت فيها فرنسا في امس الحاجة لتوسيع نفوذها وبسط سيطرتها على اكبر مساحة ممكنة لمنافسة الدول الاوروبية المستعمره الاخرى ..  ونظرا لما تشكله المنطقة من اهمية استراتيجية وجغرافية تتحكم في الممرات البحرية للاساطيل العسكرية وللتجار القادمين من الشرق الاوسط وجنوب اسيا ، وككل المستعمرين قامت فرنسا عام 1884 باجبار الملك نوردوم الاول بالتوقيع على معاهدة مهينة تخضع فيها كل السلطات التشريعية والتنفيذية الكمبودية للمستعمر الفرنسي .

 

شكلت فترة حكم الملك نوردوم الاول لكمبوديا بداية الاستعمار الفرنسي الذي استمر في عهد شقيقه الملك سيسافات   Sisawath 1904-1927  ، وطال حتى عهد الملك مونيفونغ Monivong 1927-1941 ابن الملك سيسافات ، بينما جاءت فترة حكم الملك نوردوم سيهانوك (Norodom Sihanouk) الذي ورث العرش عن جده مونيفونغ لتشكل نقطة تحول هامة في التاريخ الكمبودي وتضع نهاية للاستعمار الفرنسي وبداية عهد جديد تمثل في استقلال البلاد ونهضتها في جميع المجالات وعلى كل المستويات الوطنية والاقليمية والدولية ، مظهرة الحضارة التاريخية والقوة والنفوذ لشعب الخمير في القرون الغابرة خاصة في الفترة الواقعة ما بين القرنين التاسع والرابع عشر المرجع Virginia Thompson, French Indo-China New York 1937. page 517

 

اعتلى الملك سيهانوك العرش الكمبودي عام 1941 في وضع وطني واقليمي ودولي صعب تمثل في ارتباط البلاد بمعاهدات غير متساوية وغير متكافئة مع فرنسا المستعمرة ، خاصة تلك التي وقعت عام 1884 والتي جعلت من كمبوديا رهينة المستعمر عديمة الاستقلال اضافة الى احتلال تايلاند لبعض المقاطعات الكمبودية واهتزاز الاقتصاد الوطني وتبعيته ، الامر الذي جعل من كمبوديا بلدا متخلفا ضعيفا ..  اما على المستوى الاقليمي فكانت هناك الحروب العسكرية منها والسياسية والدبلوماسية بين بلدان جنوب شرق اسيا نظرا لصراع الدول الكبرى على المنطقة ، خاصة وان الفترة كانت فترة الحرب العالمية الثانية .

 

رسم الملك سيهانوك ومنذ توليه العرش سياسة قائمة على التخلص من الاستعمار والنضال من اجل الاستقلال وانعاش الاقتصاد وتطوير النظام، واستعادة المقاطعات الكمبودية الثلاثة التي تحتلها تايلند وهي (Battambong-Sisophon-Siemreap) وارغم فرنسا في يناير 1946 على تعديل الاتفاقيات السابقة ، وتوقيع معاهدة جديدة اقل ضررا من سابقتها تلغي قوانين الحماية الفرنسية القديمة والاعتراف باستقلال كمبوديا في ظل الفيدرالية الفرنسية .الا ان الاتفاقية نصت ايضا على استشارة الحكومة الملكية الكمبودية للمسؤولين الفرنسيين في الامور ذات الاهمية  المتعلقة في السياسة الداخلية ، وابقاء السيطرة الكاملة على وزارتي الدفاع والخارجية لفرنسا ، اعتبر سيهانوك هذه الخطوة ايجابية نحو الاستقلال التام والكامل معززا نضاله ونشاطاته من اجل الاسراع في تحقيق ذلك . وبالفعل تم التوقيع في السادس من تشرين الاول عام 1949  على معاهدة جديدة بين المستعمر والمستعمر تعترف فرنسا فيها باستقلال كمبوديا ضمن محمياتها ، وقام الملك سيهانوك في زيارة تاريخية على  راس وفد كمبودي في شباط 1953 لكل من فرنسا وامريكا ، حيث طالب الرئيس الفرنسي انذاك (Vincent Auriol) الاعتراف باستقلال كمبوديا الكامل مهددا بثورة كمبودية عارمة ضد الاستعمار والانخراط في النضال كتفا الى كتف مع الثورة الفيتنامية  ..  هذا وقد صرح بذلك في مؤتمر صحفي عقده في نيورك حيث تناقلته الصحف المحلية والدولية ، واصفة زيارة الملك سيهانوك بـــــ حملة الاستقلال .

 

نرى ان هذه النشاطات الوطنية لسيهانوك اضافة الى الثورات المتعاقبة التي اشعلها الوطنيون الكمبوديون ضد الاحتلال الفرنسي  واهمها ثورة عام 1930  ، ثم مجمل الحركات الثورية خاصة ( حركة الكمبوديين الاحرار) ( خمير اتساراك) والتي نشطت في الادغال ، كان اندحار القوات الفرنسية في معركة " ديان بيان فو" الشهيرة عام 1954 امام الثوار الفيتناميين نقطة تحول في تاريخ هذه المنطقة ، فقد توقفت الحرب ، واتفقت الاطراف المعنية على عقد مؤتمر جينيف .

 

عقد مؤتمر جنيف في  8/7/1954 بحضور ممثلين عن كل من كمبوديا ولاووس وفيينام الديمقراطية وفييتنام الجنوبية وفرنسا والصين الشعبية والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة  وبريطانيا ، وقد توصل المؤتمر في 21 تموز 1954 الى  ثلاث اتفاقيات ، الاولى منها حول فييتنام والثانية حول لاووس ، بينما الثالثة خصصت لكمبوديا والتي نصت على جلاء القوات الفرنسية عن جميع الاراضي الكمبودية وتشكيل لجنة دولية برئاسة الهند وعضوية بولندا وكندا للاشراف على تنفيذ الاتفاق ،  وقد صدر بيان من الحكومة الكمبودية تضمن فيه عدم انتهاجها لاي سياسة عدوانية او الدخول في اي أحلاف عسكرية أوالسماح باقامة قواعد عسكرية اجنبية على اراضيها الا  في حالة تعرضها لخطر خارجي يهدد سلامتها وامنها ، وبذلك يكون الملك سيهانوك قد حقق امانيه المتمثلة بالاستقلال التام لبلاده وحرية شعبه حيث دخلت مملكة كمبوديا كباقي الدول العالمية المستقلة عضوة في هيئة الامم المتحدة  وذلك في 14 ديسمبر 1955 ..  في ظل هذه الانتصارات الاستراتيجية للحركات الثورية في منطقة الهند الصينية سارعت تايلاند بمطالبة مجلس الامن الدولي في 29/5/1954م باتخاذ اجراءات عاجلة لوقف ما سمي بالمد الشيوعي في المنطقة ، ووقف الحرب في الهند الصينية حتى لا  تمتد لتشمل تايلاند  ، مطالبة بمراقبين دوليين  ..  وفي الفترة ما بين 23-25 شباط من نفس العام عقدت رابطة دول جنوب شرقي اسيا اول اجتماع لها في بانكوك ، وصادقت على  دعم الانظمة الرجعية القائمة في الهند الصينية ، ( حكومة فينتيان وحكومة سايغون) ونشطت الادارة الامريكية في تكثيف وتعزيز تواجدها وتاثيرها في المنطقة بعد ان اصبحت فرنسا غير قادرة على الاستمرار في استعمارها لدول اسيا وافريقيا ، فهجمت امريكا لتأخذ هذه التركة لتصبح بديلا عن فرنسا في المنطقة ، حيث سارعت الادارة الامريكية الى ارسال وزير خارجيتها دالاس في زيارة استطلاعية تفقدية شملت بورما ولاووس وكمبوديا ، وذلك في الفترة الواقعة ما بين 26 شباط لغاية 11 اذار 1955 .

 

ان مشاركة الملك سيهانوك في مؤتمر اسيا وافريقيا الذي عقد في مدينة باندونغ الاندونيسية في ايار 1955 واقر الانهاء الفوري للاستعمار بكافة اشكاله واقراره  للمبادئ الخمسة للتعايش السلمي التي اقترحها شو ان لاي ،  اعطى كمبوديا دفعة سياسية اخرى ، واقر البرلمان الكمبودي في 29/5/1955 الانفصال الشامل عن المجموعة الفرنسية اقتصاديا وسياسيا ، وقد تنازل سيهانوك عن العرش لصالح والده نوردوم سورماريت في نفس العام نكاية بالفرنسيين الذين رفضوا تنصيبه ملكا على كمبوديا لمقاومته اطماعهم ونفوذهم في المنطقة ..

 

قام الملك سيهانوك بخوض المعترك السياسي في بلاده حيث الف حزب اطلق عليه اسم حزب الجمعية الاشتراكية الشعبية ، وقاد حركة الاصلاح والتحرر الوطنية مناديا بسياسة عدم الانحياز والحياد والسلام ، وفي نفس العام حصل حزبه على الاغلبية الساحقة من اصوات المجلس الوطني وشكل حكومة برئاسته في تشرين الاول 1955 ، في حين ابقى حقيبة الخارجية له ، واعاد تشكيل وزارته عامي 1956 و 1957 ، وتولى منصب رئيس الدولة عام 1960 على اثر وفاة والده الملك .

 

قام الامير نوردوم سيهانوك بنشاطات وطنية فعالة لجانب نشاطاته التقدمية لصالح التضامن ضد الاستعمار الاجنبي للمنطقة ، فعزز علاقاته مع جيرانه وخاصة جمهورية الصين الشعبية التي خصها بزيارة عام 1956م  واعلن خلالها عن سياسته الخارجية المتمحورة على السلام والحياد ، وشارك في القمة الاولى لدول حركة عدم الانحياز والتي عقدت في بلغراد عام 1961 ، واستنكر النشاطات العدائية والعدوانية لامريكا مطالبا اياها في العشرين من تشرين الثاني عام 1963 بوقف كل مساندتها ودعمها العسكري لتايلاند ..  وفي 3/5/1965 قطع سيهانوك علاقاته الدبلوماسية مع امريكا وشن هجوما اعلاميا واسعا ضد امريكا وسياستها العدوانية ضد بلاده ، واعترف من خلال رسالة قام بارسالها بتاريخ 15/6/1966 الى رئيس وزراء فيتنام السيد فام دان دونغ من حيث القانون بجمهورية فيتنام الديمقراطية وطالب باقامة علاقات دبلوماسية معها على مستوى السفارات ، ورحب باستقبال مندوب دائم لجبهة التحرير الوطني لجنوب فييتنام ، وفي حزيران عام 1969 اعترف سيهانوك رسميا بالحكومة الثورية المؤقتة لجنوب فييتنام .

 

بينما كان الامير سيهانوك في زيارة لموسكو ، وبتاريخ 18/3/1970 دبرت المخابرات المركزية الامريكية انقلابا عسكريا ضده تزعمه الجنرال "لون نول" رئيس وزرائه بالتواطؤ مع سيريك ماتاك ابن الامير ، وقد غادر سيهانوك موسكو متوجها الى بكين حيث اعلن بيانه الشهير في 23/3/1970 دعى فيه الشعب الكمبودي الى النضال ضد الخائن لون نول واعوانه من العملاء المحليين واسياده الاميركان ، وكما جاء في البيان تشكيل الجبهة الوطنية الكمبودية المتحدة للاخلاص الوطني .

 

وفي 24/3/1970 بعث الامير رسائل الى كل الحكومات الصديقة للشعب الكمبودي طالبا منها الاعتراف بالجبهة التي يتزعمها .

 

وفي 5/5/1970 شكل الحكومة الملكية في المنفى برئاسة السيد "بين نوث "التي اعترفت بها الكثير من الدول كحكومة شرعية وحيدة لكمبوديا .

 

قرر الامير سيهانوك انتهاج حرب التحرير الشعبية لتحرير كمبوديا من الامريكيين واعوانهم ، ورأى انه لابد من التعاوان مع حركات التحرر في الهند الصينية ..  وبعد اتصالات سرية انعقد مؤتمر شعوب الهند الصينية الاول وعلى مستوى القمة  يومي 24 و 25 نيسان 1970 في قرية صينية حدودية على الحدود الصينية/الفيتنامية اللاوسية المشتركة ، حضره الامير سيهانوك عن كمبوديا ،  والامير سوفانو فونغ  رئيس الجبهة الوطنية اللاوسية عن لاوس ،  والسيد فام دونغ رئيس الوزراء عن فييتنام ،  والسيد نغوين هوشو رئيس اللجنة الوطنية المركزية للجبهة الوطنية لتحرير فييتنام الجنوبية ( الفيتكونغ)  ..  اسفر الاجتماع على اتفاق يتم بموجبه توحيد نضالهم لمناهضة العدوان الامريكي ، وقد سبق ذلك مصالحة وطنية بين الامير نوردوم سيهانوك والشيوعييين الكمبوديين  لعبت فيه الصين الدور الرئيسي ،  حيث اصبح كيو سان فان الامين العام للحزب عضو في المكتب السياسي للجبهة الوطنية الكمبودية وزيرا للدفاع ، وكما عين كل من " هونيم " و " هويون " من كبارقادة الحزب الشيوعي وزراء في حكومة الاتحاد الوطني الكمبودي المرجع (Lancaster. Op.cit page 357-359)

 

في الخامس من تموز 1970 حكمت المحكمة العسكرية لحكومة لون نول على الامير نوردوم سيهانوك بالاعدام موجهة له التهم التالية : -

 

اولا : الخيانة العظمى : السماح للفيتكونغ وقوات فييتنام الشمالية بالتواجد على الاراضي الكمبودية.

ثانيا  :  انتهاك الدستور الكمبودي

ثالثا  :  اغناء نفسه وهو في السلطة .

رابعا : اعدام الكثير من خصومه السياسيين .

 

وفي ظل الوضع الجديد سمح لون نول للقوات الامريكية وقوات فييتنام الجنوبية بتنفيذ اوامر الرئيس الامريكي نيكسون بشن حملة تطهير عسكرية ضد الشيوعيين الكمبوديين شارك فيها 30 الف جندي امريكي و40 الف جندي فييتنامي جنوبي ، وشملت الى جانب الكمبوديين الشيوعيين كل القواعد العسكرية الفييتنامية في كمبوديا وعلى الحدود ايضا ، وبقيت غالبية هذه القوات تعسكر على الاراضي الكمبودية دعما لحكومة لون نول في حربها ضد  الخمير الحمر ( الشيوعيون ) .

 

وفي التاسع من تشرين الاول 1970 الغى  رئيس الوزراء لون نول النظام الملكي واقام دولة الخمير  ونصب نفسه رئيسا للبلاد ودخلت كمبوديا في حرب اهلية ضروس بين الحكومة والخمير الحمر المدعومين من فييتنام الشمالية  والصين ،  بينما وقفت الولايات المتحدة  الى جانب الحكومة الكمبودية تدعمها ماليا وعسكريا وخاصة في المجال الجوي حيث غطى سلاح الجو الامريكي كل الهجمات الحكومية ضد الخمير الحمر ..

 

سار الوضع لصالح الخمير الحمر حيث سيطروا عام 1973 على جزء كبير من الاراضي الكمبودية بما في ذلك مدينة انكور ، وفي بداية عام 1975 سيطر الخمير الحمر على الريف وحاصروا العاصمة فنومنه  ، وفي العاشر من نيسان نفس العام هرب لون نول وحاشيته في طائرة عمودية الى احدى القواعد الامريكية في المنطقة ، ومنها الى  الهونولولو ، وفي السابع عشر من نيسان حرر الخمير الحمر العاصمة فنوم بنه واستقبلت الجماهير الكمبودية قوات الخمير الحمر بالهتافات والترحاب رافعين يافطات تقول (Victory! War is over! Peace!)  الا ان السلام لم يات ،  بل خيم الظلام ثانية على كمبوديا من خلال حرب الاستنزاف التي تفجرت بين حلفاء الامس كمبوديا وفييتنام .

 

عاد الامير سيهانوك والاميرة ميونغ سيهانوك  من منفاهما في الصين  الى فنوم منه ،  واقاما في القصر الملكي  .. وفي الخامس والعشرين من نيسان 1975 سمي الامير سيهانوك رئيسا للدولة مدى الحياة ووضع بعد اشهر قليلة تحت الاقامة الجبرية .

 

تسلم الجنرال كيو سام فان (Kieu Samphan) الرئاسة بينما بقيت السلطة التنفيذية والفعلية في  يد الامين العام للحزب الشيوعي الكمبودي رئيس الوزراء بول بوت ،  وفي ذلك الوقت غير اسم كمبوديا  ليصبح " كمبوديا الديمقراطية " .

 

انتهجت حكومة بول بوت سياسة يسارية متطرفة ورفعت شعار اقامة مجتمع شيوعي خالي من الطبقات Communist Class less Society  ، حيث استولت على كل الاملاك الخاصة بالشعب من اراضي وبيوت ومصانع وبنوك وصحف ،  والغت الرواتب والاجور للموظفين وافراد الجيش  ،  مكتفية بتقديم المواد الغذائية لهم ، اختفت بذلك الطبقة الغنية والفقيرة وفككت الروابط العائلية وابعد الاباء عن الامهات والابناء عن طريق توزيع العمل في مناطق متباعدة  ، واغلقت المدارس والمكاتب والمعابد ،  واخليت المدن من الموظفين والتجار والحرفيين والاساتذة والعمال وغيرهم ، حيث ارغمت الجماهير الشعبية في المدن باخلاء منازلها والتوجه الى الريف والاستيطان فيه ..  قامت الحكومة الجديدة للخمير الحمر بحملة واسعة من المداهمات والاعتقالات ،  واعدمت الكثير من الموظفين والمثقفين وكبار الضباط الذين كانوا يعملون او يؤيدون دولة الخمير والامريكان . هذه الاعهمال والتصرفات دفعت بالكثير من الكفاءات  وذوي الاختصاصات العلمية والتنقية  بالهروب  واللجوء الى الدول المجاورة  ..

 

باختصار شديد  لم تكن حكومة الخمير الحمر  ناجحة في سياستها الداخلية الامر  الذي ادى الى مقتل  اكثر من مليون  مواطن خلال  السنوات الاربع من حكمهم  ( 1975 – 1979 )  ، وقد لاقى ذلك  استنكارا وطنيا  واقليميا  ودوليا واسعا ..

 

وفي 21 نيسان 1978 ، استنكر  الرئيس الامريكي كارتر  الحكومة الكمبودية  وتصرفاتها الدموية واصفا اياها  بانها من اكثر االدول انتهاكا لحقوق الانسان في العالم  THE WORST VIOLATER OF HUMAN RIGHTS IN THE WORLD  ، فقد عملت حكومة الخمير الحمر على تخريب وهدم وهجر المعابد والكنائس والمساجد ودور العلم والدين مؤثرين بذلك سلبا على الحضارة والثقافة الكمبودية القديمة..  اعلن بول بوت  عام 1976  للعالم  "  ان اكثر من الفي سنة  من تاريخ كمبوديا  قد مسح عمليا  "  المرجع : " MORE THAN 2000YEARS " of Cambodian history have been virtually stamped out” History of Asian Nations by Gregorio F. Zaide 1980 page 151    ..بعد سيطرة الخمير الحمر  على فنوم بنه قاموا بطرد  كل الدبلوماسيين  الاجانب  والمستشارين والخبراء الاجانب بما فيهم  السوفيات  ، وحافظوا  فقط  على البعثة الدبلوماسية الصينية  والخبراء الصينيين  تقديرا منهم  للدعم المعنوي  والمادي  الذي حظي به الشعب الكمبودي  خلال نضاله  المسلح ضد الاحتلال والتدخل الامريكي لكمبوديا  ..  هذا وقد حافظت كمبوديا  الديمقراطية  على عضويتها  في هيئة الامم المتحدة  كممثل شرعي  وحيد  للشعب الكمبودي  رغم  ما سجل  عنها  من سمعة رديئة  بارتكابها  لمجازر  واسعة  واختراقها الفظ لحقوق الانسان ..

 

لقد كان هوشي منه  يعمل على اقامة وحدة فدرالية  بعد انتصار الشيوعيين الفيتناميين ،  الا ان النزاع الاقليمي الكبير  الذي وقع  بين فيتنام وكمبوديا  عشية التحرير في ايار 1975  وقف حائلا دون تحقيق اهداف هو شي منه  ، حيث قامت القوات الكمبودية  بقصف جزيرة  PHYQUOC THO CHU  واسرت 500 فيتنامي منها ..   وفي ديسمبر احتلت القوات  الكمبودية  بعض المناطق في المرتفعات  الحدودية مع فيتنام  والتي تعتبرها  جزأ من الاراضي الكمبودبة .. استنكرت فيتنام هذه الاعتداءات ، وبدأت حرب الاتهامات بين الجانبين  التي تحولت الى حرب حقيقية   دفعت بكمبودبا الى قطع علاقاتها  الدبلوماسية مع فيتنام ، متهمة اياها  القيام باعتداءات  ارهابية شرسة ضد كمبودبا   “Ferocious and barbarous aggression.”

، وقامت فيتنام  بدفع اكثر من مائة الف جندي فيتنامي  باتجاه كمبوديا  في ايار 1978  لتبدأ حرب شرسة بين البلدين  ..

 

خلال الحرب ،  وبدعم من فيتنام  ، قامت مجموعة من الخمير الحمر المناوئة  لقيادة بول بوت  وسياسته  في ديسمبر  العام  نفسه  بحركة عصيان وتمرد  بقيادة هنغ سامرين الذي درس وتدرب عسكريا في فيتنام  .. وهكذا دخلت القوات الفيتنامية  كمبوديا  واحتلت العاصمة  فنوم بنه  في السابع من كانون الثاني  عام 1979  ، وهرب  بول بوت  وكيوسامفان  ومعهما القيادة  الخميرية الى اماكن اّمنة  على الحدود مع تايلاند  ، لينطلقوا منها في حرب عصابات ضد  القوات الفيتنامية ونظام هنغ  سامرين  .. ومن الجدير بالذكر  ان قيادة الخمير الحمر  اصطحبوا الامير نوردوم سيهانوك  معهم  الذي كان تحت الاقامة الجبرية  ، وذلك بهدف  استخدامه ورقة رابحة في  نضالهم المستقبلي ، وطلبوا منه الحديث باسمهم  في هيئة الام المتحدة  ، الا ان الامير  سيهانوك ، على العكس من ذلك ،  قام  فور وصوله نيويورك بادلاء تصاريح عدة  ضد  بول بوت شخصيا و قادة الخمير الحمر ، مستنكرا  سياستها وتصرفاتها ..  .. المرجع BULLETIN TODAY , MANILA JANUARY 26,1979 ....

 

وبما ان الاطراف الكمبودية  التي دخلت الصراع مع فيتنام  لم توحد اّرائها  ومطالبها ، بقي  بول بوت عضوا ممثلا لكمبوديا في هيئة الامم المتحدة  ..  وفي السادس عشر من  ابريل 1979 ، اعلن الرئيس كيو سمفان  استمرار حرب العصابات  ضد نظام هنغ سامرين  والقوات الفيتنامية  في كمبوديا  ، مستنكرا  هيمنة فيتنام واطماعها  التوسعية  الهادفة  الى السيطرة على  الهند الصينية  والتوسع  نحو تايلاند  وبقية دول اّسيان  المجاورة  .. المرجع :

 

1. Virginia Thompson. French Indo-China. New York 1937. page 517

2. Ellen J. Hammer, the Struggle for Indo-China (Stanford 1954) page 294-297

3. Donald Lan easter, the Emancipation of French Indo-China

    (London and New York 1961 page 271-274)

 

يتضح لنا مما سبق  بان الازمة الكمبودية بدأت بدخول القوات الفيتنامية الى الاراضي الكمبودية عام 1979  تحت حجة درء الخطر الصيني الزاحف باتجاه الهند الصنينية ..  في الثامن عشر من شبط 1979 ،  وقعت كل من فيتنام وكمبوديا على  وثيقة تعاون  وصداقة  تطورت الى تحالف عسكري  يقضي بوجوب تدخل كل منهما عسكريا  في حال تعرض اي منهما لاي اعتداءات  عسكرية من طرف ثالث .. منذ ذلك التاريخ تعددت جهود التسوية  ، وكان معظمها  مبادرات  اقليمية  ، ومن دول اسيان على وجه الخصوص  .. ففي السابع  من اكتوبر عام 1981 ، وخلال انعقاد  المؤتمر الرابع  لوزراء خارجية دول " الهند الصينية "  ،  تقدم  وزير خارجية لاووس  بون سيباسيت  بمبادرة  من سبع نقاط  بما فيها الابقاء على الوضع الراهن  والحدود القائمة  بين الدولتين وفتح باب الحوار  بين مجموعة اّسيان  ومجموعة الهند الصينية  .. رفضت  اّسيان هذه المبادرة انطلاقا  من رفضها  للمؤتمر الاقليمي  كاطار  لتسوية الصراع في المنطقة ..

 

استطاعت دول اّسيان  خلال فترة الصراع  المحافظة على مقعد  كمبوديا الديمقراطية ( الخمير الحمر )  في الامم المتحدة  والدعوة من على هذا المنبر  الى تسوية  تحت اشراف هيئة الامم المتحدة .. وكان نتيجية هذه الجهود  اصدار هيئة الامم المتحدة  في الثاني والعشرين من اكتوبر عام 19881  قرارا ينص على  ضرورة " الانسحاب الكامل وغير المشروط  للقوات الاجنلبة من الاراضي الكمبودية "

 

وفي الاجتماع الخامس لوزراء خارجية  دول الهند الصينية  في السابع عشر من شباط 1982  ، اصدرت كل من لاووس  وكمبوديا  بيانا  اجمعتا فيه على ان  احتلال  فيتنام لكمبوديا  ليس الا " وسيلة لوقف الزحف الصيني  في المنطقة  وبمجرد زوال هذا الخطر  ستقوم فيتنام بسحب قواتها من كمبوديا "  ..

 

وفي اجتماعهم التالي عام 1983 ، تقدمت دول الهند الصينية  بمبادرة اقامة " تحالف ودي "  يجمع دول الهند الصينية  ومنظمة دول اّسيان  ، على ان يتم  عقد مؤتمر موسع  للامن الاقليمي  يضم المجموعتين ،  الا ان منطمة اّسيا رفضت هذه الدعوة  ،  كونها تهدف الى دفع  منظمة جنوب شرقي اسيا ( اّلاسيان )  الى الاعتراف بحكومة هنغ سامرين الكمبودية بطريقة غير مباشرة  .. وفي المقابل  تقدمت  دول اّسيان  بمبادرة لهيئة الامم المتحدة  في اكتوبر 1983 عرفت  ب"  مبادرة  الدول 51 "  ، طالبت فيها  انسحاب القوات الفيتنامية  من كمبوديا  تحت اشراف  ومراقبة   قوات حفظ السلام الدولية  ،  واعلان المنطقة منطقة منزوعة السلاح  ، واقر المقترح  بـ 150 مع و23  وامتناع  19 دولة عن التصويت ..  اما فيتنام  فقد اكدت ان ليس لديها " نية الانسحال "  ..

 

لقد كان  اعلان دول اسيان  في التاسع والعشرين من سبتمبر 1983  لمبادرة جديدة  من  اهم التحركات  الاقليمية  لتسوية النزاع في كمبوديا ..  لم تختلف هذه المبادرة كثيرا عن المبادرات الاخرى  من حيث  اشتراط الانسحاب  التدريجي ، ووقف اطلاق النار ، واجراء انتخابات عامة ، وان تتم جميع هذه الاجراءات  تحت اشراف دولي  ..  بيد ان هذه الصيغة  احتوت على  بند جديد  هو بند " المصالحة الوطنية "  والذي ينص  على ضرور اشراك  جميع الاطراف الكمبودية  بما في ذلك  النظام القائم  في انتخابات عامة تفرز حكومة جديدة تحظى بتمثيل واسع  وتتمتع  باحترام وتأييد الشعب الكمبودي  وشعوب ودول المنطقة ..

 

اعلنت حكومة فنوم بنه  رفضها القاطع لهذه المبادرة  ، وبالمثل رفضها  الخمير الحمر والصين ..  استمرت  الجهود الاّسيوية  عام 1984  ، وقام وزراء خارجية دول اّسيان  في اجتماعهم الدوري الذي التئم في شباط العام نفسه  باصدار اعلان جديد  يطالبون فيه  بالمزيد من الدعم والتأييد الدوليين  للقضية الكمبودية  ، حيث فسر من قبل البعض  على انه رغبة  من مجموعة دول الاّسيان على  دعوة واشنطن للعب  دور حيوي  وايجابي في المنطقة  ..  كانت فيتنام قد اعلنت في اّب 1984 بأنها ستقوم  بسحب  جميع قواتها  من كمبوديا  اذا تم التوصل  الى صيغة سياسية  مقبولة بين الاطراف الكمبودية  باستثناء  الخمير الحمر ..

 

رغم فتور المساعي الدبلوماسية  خلال عام 1985  ،  الا ان قمة جنيف بين غوربتشيوف  وريغان  أظهرت ان مسألة كمبوديا  كانت  على رأس الاجندة السوفياتية في القمة ، خاصة وان موسكو كانت في تلك الفترة  تواصل  تعزيز منشئاّتها العسكرية  في كارم رام ودانونغ  الفيتناميتين ..

 

خلال اجتماع مجلس وزراء  ائتلاف المقاومة الكمبودية  ببكين  في سبتمبر 1986  (  في 22 /6/1982 ،  شكلت فرق المقاومة الكمبودية  الثلاثة  جبهة ائتلافية  عرفت بالحكومة الائتلافية  لكمبوديا الديمقراطية  برئاسة  الامير نوردوم سيهانوك :  جبهة الخمير الشعبية للتحرر الوطني 

(KPNLF)  بزعامة سون سان  ،  وجيش سيهانوك الوطني ( SNA   ) ، والخمير الحمر  بزعامة كيو سام فان )  اطلقت مبادرة من  ثمان نقاط  شملت  على الانسحاب التدريجي  للقوات الفيتنامية على ان  يتم تشكيل  حكومة جديدة  تضم  قيادات  نظام  هنغ سامرين  وفرق المقاومة الثلاث  ..  وافقت الصين  ودول الاّسيان على هذه المبادرة الا ان فيتنام رفضتها  ..

 

هذا وقد تقدم  وزير الخارجية النمساوي  بعرض مبادرة تدعو الى عقد " محادثات سلام "  بين حكومة هنغ سامرين  وائتلاف المقاومة  الكمبودية  في عاصمة بلاده فينا  ..  رفض سيهانوك زعيم المعارضة هذا الاقتراح  ، مقترحا عقد مثل هذه المحادثات مع فيتنام  على ان  يحضرها ممثلون عن  حكومة كمبوديا الديمقراطية  .. رفضت فيتنام هذه الفكرة ..

 

نستطيع القول  بان كل المبادرات  الاقليمية والدولية  حققت بعض النجاحات  الطفيفة  في تهيئة  ظروف اكثر ملائمة  لدفع عملية السلام في كمبوديا ..  فالمشكلة عادت متمثلة في ان الائتلاف المعارض يرى في فيتنام طرفا اساسيا ومباشرا لاي لقاءات او محادثات تجري  ، والمشكلة الاساسية  مع فيتنام  وليس مع نظام هنغ سامرين  ..  بينما فيتنام تريد كمبدة المشكلة ، وعدم الظهور كطرف اساسي  في النزاع  الدائر ، معتبرة ان مرابطة قواتها في الاراضي الكمبودية جاء بطلب من الحكومة الكمبودية وتنفيذا لاتفاقيات موقعة بين البلدين .. 

 

                                                                    تسلسل الاحداث

 

*     17/04/1975    تحرير فنوم بنه ، وسقوط نظام لون نول العميل  ، وقيام   " كمبوديا

الديمقراطية "  ..  على يد الخمير الحمر  بزعامة بول بوت واعوانه ينغ ساري 

وكيو سام فان

*     أيار / 1975           بدء المناوشات  الحدودية بين كمبوديا وفيتنام ..

*     05/01/1976    صدور دستور " كمبوديا الديمقراطية "  ، وشجبه على الفور من  الحكومة

الفيتنامية  واستنكارها  لكل الاجراءات  الداخلية التي  اتخذتها  السلطات

الكمبودية  ..

*     أيار/ 1976             لقاء كمبودي فيتنامي  لاحتواء المناوشات الحدودية بينهما ..

*     أيار / 1977         اصدار هانوي لاعلان حددت فيه مياهها الاقليمية  ، ودعوتها الدول المجاورة

للتفاوض  ...

*     07/06/1977    توجيه فيتنام لنداء  الى كمبوديا تطالب فيه  وقف الاعتداءات  وفتح باب الحوار

والتفاوض  على حل النزاع الحدودي ..

*     31/12/1977    كمبوديا تقرر قطع علاقاتها  الدبلوماسية مع فيتنام ..

*     15/12/1978    كمبوديا تصدر اعلانا  حول مياهها الاقليمية  ..

*     05/02/1978     اقتراح فيتنامي لحل النزاع الحدودي على اساس  المباديئ الثلاث التالية :

                                   اولا : وقف النشاطات العسكرية من قبل الطرفين والانسحاب المتبادل  الى

مسافة  خمسة كلم  داخل البلاد ..

ثانيا : لقاء فوري في عاصمة احدى البلدين او في منطقة حدودية للتفاوض

وابرام اتفاق  يؤكد الاحترام المتبادل  ، وترسيم الحدود بيت البلدين ..

ثالثا : الاتفاق حول الضمانات الكفيلة  بعدم تكرار وقوع  مثل هذه الحوادث  ، وضرورة المراقبة الدولية ..