الفصل الثاني :
المبادرة الفلسطينية

انطلقت المبادرة الفلسطينية في البحث عن حل سلمي تفاوضي للمشكلة الكمبودية من عدة عوامل من اهمها :
اولا : دخول العلاقات الدولية مرحلة جديدة يسودها الوفاق بدلا من الصراع منذ دخول غورباتشوف الكرملين واعتماد البريسترويكا استراتيجية جديدة لسياسته الكونية والداخلية .. ومن اهم مقومات هذه المرحلة من الوفاق الدولي بين القوتين الاعظم ، العمل على تهيئة المناخ الذي يلائم ويساعد علىالحد من تصعيد النزاعات الاقليمية ومن بينها المشكلة الكمبودية وتشجيع اطرافها على اللجوء الى الحوار بدلا من المواجهة من اجل التوصل الى تسوية اقليمية متوازنة تراعي المصالح المشروعة لكافة الاطراف .
تعيش منطقة جنوب شرق اسيا مرحلة هامة غير مسبوقة في تاريخها على المستويات الدولية والاقليمية والقطرية ، اذ تشهد هذه الساحة تطورات سياسية واقتصادية وانسانية لم تكن متوقعة من قبل ..
تتميز المشكلة الكمبودية باجماع المجتمع الدولي على ان تدخل القوات الفيتنامية يعد عملا غير شرعي ويتعارض مع ميثاق الامم المتحدة ، مما دفع بغالبية الدول الى مقاطعتها اقتصاديا وعزلها سياسيا لحملها على سحب قواتها من كمبوديا . اجماع المجتمع الدولي والامم المتحدة على اعتبار نظام هنغ سامرين - هون سين ( المدعوم فيتناميا ) نظاما غير شرعي ، والاعتراف بالحكومة الائتلافية بقيادة الامير نوردوم سيهانوك ممثلا شرعيا وحيدا لكمبوديا ، واستمرار احتلالها للمقعد الكمبودي في هيئة الامم المتحدة .. اجماع الشرق والغرب ضد عودة الخمير الحمرللسلطة ثانية ( طرف من اطراف الحكومة الائتلافية ) لما انتهجه بول بوت من سياسات خاطئه .. اخذين بعين الاعتبار ان المشكلة الكمبودية ظلت من ابرز العقبات التي تعوق تطبيع العلاقات الصينية السوفياتية وتحول دون انعقاد القمه بين البلدين .. مع الايمان المطلق باهمية الدور الامريكي في المشكلة الكمبودية الا انها تظل رهينة تطبيع العلاقات بين اكبر نظامين شيوعيين في العالم .
يقراء من زيارة شوفرنادزه وزير الخارجية السوفياتي الى كل من تايلاند واستراليا وفيتنام ان موسكو لا تنوي الضغط على فيتنام من اجل اتخاذ خطوات اكثر معقولية للتوصل الى حل سلمي للمشكلة الكمبودية ، بل ستعمل على تقديم النصائح لفيتنام في هذا الصدد دون ممارسة اي ضغوط عليها ..
موسكو لا تريد ان تدخل في صراع جديد مع فيتنام خاصة وان هناك اتفاقيات بين موسكو وهانوى تنص على اعطاء موسكو الحق لفيتنام بترتيب الاوضاع في الهند الصينية وعلى ان تكون العلاقات السوفياتية مع دول الهند الصينية عبر هانوي ، مقابل تقديم فيتنام تسهيلات وقواعد عسكرية بحرية للاسطول السوفياتي على اراضيها ..
فيتنام مرت بتجربتين هامتين في علاقاتها مع الاتحاد السوفياتي : الاولى كانت استقبال موسكو للرئيس الامريكي ريتشارد نيكسون بعد قصف الطيران الامريكي لمدينة هايفون الفيتنامية .. والثانية: خلال مؤتمرالسلام في فيتنام الذي عقد في باريس حيث كانت وجهة نظر موسكو عدم المغامرة في تحرير الجزء الجنوبي من البلاد في ذلك الوقت.
من جهة اخرى فان الاتحاد السوفياتي يدفع يوميا اكثر من خمسة ملايين دولار ثمنا للوجود العسكري الفيتنامي في كمبوديا وما خلفه ذلك من ازمة اقتصادية كبيرة وتأثير سياسي دولي كبير على مكانة الاتحاد السوفياتي ومصداقيته في الوسط الدولي . فكان لا بد لموسكو من اتخاذ بعض الخطوات من اجل وضع سياسة غورباتشوف الاسيويه الجديده التي اعلنها في تموز 1985م في خطابه الشهير بفلاديفوستوك والهادفه ، كما اوضح غورباتشوف ، الى تعزيز العلاقات مع الصين واليابان ومع بلدان جنوب شرق اسيا غير الشيوعيه موضع التنفيذ.
يرى بعض الغربين ان سياسة غورباتشوف الاسيوية تهدف الى ابعاد دول جنوب شرقي اسيا واستراليا عن امريكا ، لجانب اعادة توحيد العائلة الشيوعية في اسيا والتوفيق بين الصين والسوفيت وفيتنام .
نستطيع القول ان الوضع الدولي يشجع على القيام بأية خطوة فيها تخفيف لحدة التوتر في منطقة جنوب شرقي اسيا المتمحورعلى العلاقات بين الصين والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة .
ثانيا: غدت منظمة التحرير الفلسطينية ، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، تحتل مكانة مرموقة في الوسط الدولي حيث اصبحت عضوا كامل العضوية في الجامعة العربية ، ونائبا لرئيس المؤتمر الاسلامي وحركة عدم الانحياز ومنظمة الوحدة الافريقية، وعضوا مراقبا في هيئة الامم المتحدة ..
كل ذلك يحتم عليها ، لجانب مهامها الوطنية تجاه شعبها وقضيته العادلة ، تادية واجباتها الدولية .. حيث قامت بشخص الاخ الرئيس ياسر عرفات بعدة وساطات اقليمية ودولية ناجحة عززت أكثر من مكانتها الدولية ، وان مساهمة منظمة التحرير الفلسطينية في البحث عن حل سلمي تفاوضي للمشكلة الكمبودية يدخل في هذا الاطار .. خاصة وان هناك علاقة صداقة حميمة جدا تربط الرئيس ياسر عرفات بالامير نوردوم سيهانوك ( الامير الاحمر ) ..
ثالثا : لعبت العلاقات الشخصية بين الامير سيهانوك والسيد مصطفى السفاريني والتي تعود الى بداية السبعينات ( في فترة
عمل السفاريني في السفارة الفلسطينية لدى الصين ، واقامة الامير فيها بعد الانقلاب العسكري الذي حصل عليه في اّذار 1970 .. حيث كان السفاريني يشكل مع الامير فريقا زوجيا في كرة الريشة على مدار النصف الاول من السبعينات ) هذا من جهة ، ومن جهة اخرى ، العلاقات الخاصة والمميزة التي نسجها السفاريني مع السيد هون سين في النصف الثاني من السبعينات ( في فترة عمله كسفير لفلسطين في لاووس ، مع السيد هون سين قبل التدخل الفيتنامي في كمبوديا وتسلمه لحقيبة الخارجية الكمبودية الموالية لفيتنام ) من جهة اخرى ، دورا مشجعا وفريدا للوساطة الفلسطينية ، خاصة وان الامير يقف على رأس المقاومة الوطنية الكمبودية المعارضة بما فيها الخمير الحمر ويترأس جمهورية كمبوديا الديموقراطية ، والسيد هون سين يقف على رأس جمهورية كمبوديا الشعبية ..
لهذه الاعتبارات ، اضافة الى خبرة السفير السفاريني لمدة خمسة عشر عاما من العمل الديبلوماسي في المنطقة ، اوكل السيد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مهمة الوساطة بشكل رسمي للسفير السفاريني .
انطلقت منظمة التحرير الفلسطينية في وساطتها اخذة بعين الاعتبار قرارات الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة وقرارات قمم عدم الانحياز السادس والسابع و الثامن و المتمحورة على شجب الاعتداء و التدخل العسكري الفيتنامي ومطالبة بسحب القوات الاجنبية من كمبوديا وعقد مؤتمر دولي خاص بالمشكلة الكمبودية تحضره كافة الاطراف المتصارعة وكل الدول المعنية للعمل على ايجاد حل سلمي للمشكلة الكمبودية مبني على النسحاب الكامل والشامل للقوات الاجنبية واجراء انتخابات عامة وحرة .
ككل عام وصل الامير الكمبودي نوردوم سهانوك العاصمة الكورية بيونغ يانغ في الاسبوع الاول من نيسان 1987 ( مصطفى السفاريني كان حينذاك سفيرا لفلسطين لدى كوريا وعميدا للسلك الدبلوماسي فيها ) وذلك للمشاركة في احتفالات الشعب الكوري بعيد ميلاد زعيمهم كيم ايل سونغ نظرا للعلافات الاخوية والرفاقية الصادقة التي تربط الامير الكمودي بالزعيم الكوري منذ اواسط الخمسينات حين رفض الامير الاعتراف بنظام سيؤول في كوريا الجنوبية او حتى بشرعيته أو وجوده .. وعلى اثرالانقلاب الامبريالي الرجعي الذي وقع على سيهانوك في اذار 1970 قدم الزعيم الكوري وفاء منه للامير اجمل قصور مدينة بيونغ يانغ ( قصرتشان سوون المقام على ضفاف بحيرة اصطناعية جميلة بين ملتقى اقدام ثلاثة جبال حيث الطبيعة الخلابة ) ووفر له الخدم والحشم وكل سبل الراحة والاستجمام لجانب وضع تحت تصرفه كل الامكانيات المتاحة للقيام بنشاطه الديبلوماسي و السياسي دون ازعاج او تاثير .
وعادة ما يقوم الامير بدعوة سفراء الدول الصديقة له للقيام ببعض النشاطات الرياضية خاصة كرة الريشة السيهانوكية ( تتميز عن كرة الريشة الاعتيادية بكثرة عدد لاعبيها فقط ، حيث تلعب رباعيا وليس فرديا او زوجيا كما هي العادة ) ثلاثة ايام في الاسبوع ، عدى اللقاء بالامير في النشاطات الرسمية والدبلوماسية او في اللقاءات الثنائية الاخرى .
في الرابع من ايار 1987 ، اي قبل ثلاثة ايام من تقديم استقالته لمدة سنة من رئاسة الحكومة الائئتلافية ورئاسة كمبوديا الديمقراطية ، التقيت الامير سيهانوك في قصره .. حضر اللقاء عن الجانب الكمبودي كل من الاميره ميونغ سيهانوك ( عقيلته ) والسيد تشون خاى مدير مكتبه ، والسيدة كيك سيسوده مديرة المراسم الاميرية ، وعن الجانب الفلسطيني كل من السيده ياسمين سفاريني عقيلة السفير ( لاوسية الجنسية ومن السلالة الاميرية ، ووالدها في موقع حزبي وحكومي رفيع ، وهذا ايضا من العوامل الدافعة للوساطة الفلسطينية ) ، والسيد يوسف رمضان السكرتير الاول في السفارة الفلسطينية لدى بيونغ يانغ .
دام اللقاء زهاء الساعتين والنصف الساعة ، ركز الامير سيهانوك خلاله على الامور التاليه :
* جرائم الخمير الحمر في فترة حكمهم لكمبوديا 1975-1979 والمذابح والمجازر التي ارتكبوها ضد الجماهير الكمبوديه خاصة الطبقه المثقفه منهم ، ولم تسلم العائله الملكيه من تنكيلهم ومذابحهم .
* معاملتهم السيئه التي لم يشهدها عهد هتلر للامير اثناء فرضهم الاقامه الجبريه بعد عودته من منفاه في بكين عقب انتصار حرب الهند الصينية عام 1975 وتحرير كمبوديا ..
* استنكار سيهانوك للسياسه الدخليه والخارجيه للخمير الحمر محملهم مسؤولية الاحتلال الفيتنامي لكمبوديا .
* يرى ان المشكله الكمبوديه هي من اعقد المشاكل الاقليميه في العالم لتشعباتها وتشابكاتها الدوليه لجانب جذورها القوميه والاقليميه . فالمشكلة الكمبودية ليست فقط ضحية صراع بين معسكرين غير متجانسين ، الرأسمالي والاشتراكي ، اي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي ، بل ايضا ضحية صراع المعسكر الاشتراكي نفسه ، اي الاتحاد السوفياتي والصين الشعبية ..
* ركز الامير على علاقته الجيدة مع القيادة اللاوسية وعلى رأسها الامير سوفا نوفونغ ومع القايدة الفيتناميه وعلى رأشها هوشي منه وفان فام دونغ ، وهو اول من دعا الى عقد موتمر قمة للهند الصينية للتنسيق والتضامن بين دولها الثلاث .. كمبوديا وفيتنام ولاووس ..
* مبادرته في اقامة علاقات ديبلوماسية مع الفيتكونغ ، والوقوف لجانب فيتنام في حربها ضد الاحتلال الامريكي ، وقطعه للعلاقات الدبلوماسية مع واشنطن في منتصف الستينات تضامنا مع فيتنام ودعما لها ..
* يرى في اي نوع من اللقاءات السريه او العلنيه مع هانوي او موسكو فيه مساعدة لايجاد حل سلمي للمشكله الكمبوديه .. وتساءل لمرات عديدة حول سبب تعنت فيتنام ورفضها اللقاء به ؟
* شن الامير اعنف هجوم سمعته منه على الاطلاق ضد الخمير الحمر لقيامهم ببعض الهجمات العسكريه ضد قواته على الحدود التايلاندية وانتهاكهم لحقوق الانسان الكمبودي في المخيمات وعدم منحهم حق الاختيار السياسي وابعادهم عن الامير او التعاطف معه .

في السابع من ايار 1987 ، اعلن الامير نوردوم سيهانوك استقالته ، ولمدة سنه ، من قيادة الائتلاف الكمبودي المعارض ومن رئاسة جمهورية كمبوديا الديمقراطية . جاء ذلك في بيان مطول هاجم فيه الخمير الحمر واعمالهم التعسفيه ضد قواته المتواجده داخل الاراضي التايلاندية المتاخمة للحدود مع كمبوديا ، حيث قتلوا العديد من ضباط قوات سيهانوك وكوادره ، مستنكرا انتهاكهم لحقوق الانسان الكمبودي في المخيمات الكمبوديه في تايلاند .. هذا وقد اتهمهم بارغام السكان الكمبوديين التابعين لسيهانوك والمؤيدين له في السير امام الدوريات العسكريه داخل الاراضي الكمبوديه لوقاية جنودهم من حقول الغام او كمائن عسكرية مضادة ومفاجئة .
وقد طالب سيهانوك الدول والشخصيات الصديقة بعدم التوسط ومراجعته للعدول عن هذه الاستقالة ، وهدد الخمير الحمر بتمديد فترة الاستقالة فيما اذا استمروا بمهاجمة قواته او انتهاك حقوق الانسان الكمبودي في المخيمات التي تحت سيطرتهم في تايلاند .
تعددت لقاءاتي بالامير الكمبودي سيهانوك بعد ذلك . وقد اوضح الامير ان سبب استقالته لاتقتصر على مضايقات وهجمات الخمير الحمر ضد قواته بل تعدت ذلك لتشمل رفض الخمير الحمر لاي مقترح تفاوضي سلمي يتقدم به الامير لحل المشكلة الكمبودية ، وتسلط الخمير الحمر على قراره السياسي وتكبيله في سياسات ولوائح لا تسمح له القيام باي نشاط حر او في الاقدام على اي مبادرة سياسية فعالة .. ويرى الامير ان الخمير الحمر حريصين على استخدامه كورقة مقبولة اقليميا ودوليا ، وخاصة مكانته في هيئة الامم المتحدة وفي حركة عدم الانحياز .. ويرى انه عاد رهينة تحقيق الخمير الحمر لاهدافهم وسرعان ما يتخلون عنه كما فعلوا عام 1975 ..
اكد على ان السيد هون سين لايتمتع باي استقلالية ، ولايمكن ان يمثل الشعب الكمبودي ، وان اللقاء به والحديث معه لا يجدي نفعا ، ولا بد من اللقاء اولا بالفيتناميين مالكي القرار الكمبودي ..
وعلى هامش المؤتمر الوزاري الاستثنائي لحركة عدم الانحياز الخاص بالتعاون جنوب- جنوب والذي عقد في العاصمة الكورية بيونغ يانغ من التاسع الى الثالث عشر من حزيران عام 1987 ، جرت عدة لقاءات بين سفيردولة فلسطين لدى كوريا مصطفى السفاريني ورؤساء وفدي كل من فيتنام الاشتراكية ولاووس الديمقراطية بناء على طلب منهما .. اكدا على تقدير حكومتيهما للامير وتثمينهما لنشاطاته على المستوى الكمبودي والاقليمي والدولي .. تحدثا بايجابية مطلقة وبتثمين عال للخطوة الاميرية في الاستقالة من رئاسة كمبوديا الديمقراطية ، لتي فتحت افاقا جديدة وخلقت فرصا مؤاتية لوفاق وطني كمبودي ، واكدا حرص فيتنام على علاقاتها مع الامير واهتمامها بديمومة الاتصالات واللقاءات معه .. في الوقت نفسه اشترط الجانب الفيتنامي ان يسبق اي لقاء ثنائي بين الامير والقيادة الفيتنامية لقاء الامير بالسيد هون سين رئيس حكومة كمبوديا الشعبية الموالية لفيتنام ..
وقبيل مغادرته مطار بيونغ يانغ عائدا الى بلاده بعد انتهاء اعمال مؤتمر عدم الانحياز ، وجه نائب وزير الخارجية اللاوسي السيد سوبان سيتيرات ( شخصية قيادية لاوسية معروفة في دعمها للقضية الفلسطينية ، وسبق ان قدم منزله الخاص كمقر للسفارة الفلسطينية لدى بلاده دون مقابل ولمدة خمس سنوات 1976 – 1980 ) رسالة بخط اليد للسفير الفلسطين تقول
:
Dear Moustapha
While Sihanouk is no longer President of the so-called Democratic Coalition government, it is the unique occasion to try to arrange an a meeting with the Representative (you know the name) of the Phnom-Penh government here in Pyongyang or elsewhere for bringing about the national reconciliation, and having his personal image rebrightened as in the past. The government of Phnom Penh is sincere in this matter. The contents of the event national reconciliation should be discussed. We are eager to know too. Sincerely, Suban Sithirath
بأن استقالة الامير من رئاسة كمبودية الديمقراطية وابتعاده عن الخمير الحمر قد وفرت ظروفا ملائمة لترتيب لقاء بين الامير وهون سين في بيونغ يانغ ..
في الرابع عشر من حزيران ، وفي لقاء جمعني مع الامير ، تم بحث موضوع ترتيب لقاء سري بين الامير وهون سين ، وتمت الموافقة على ذلك كتمهيد للقاء الامير مع القيادة الفيتنامية لمناقشة موضوع الانسحاب الشامل للقوات الفيتنامية من كمبوديا والعمل على مصالحة وطنية بين جميع الاطراف الكمبودية المتصارعة ، وتشكيل حكومة وطنية تاخذ بعين الاعتبار مصالح كل الاطراف من خلال انتخابات عامة حرة ونزيهة .
لقد حددنا نهاية حزيران كموعد لمثل هذا اللقاء غير الرسمي ، واتفقنا على ان يكون قصر " تشانغ سو وون" مكانا للقاء ، وعلى ان يقوم الامير بتأمين الاقامة وتأشيرات الدخول للسيد هون سين ومرافقيه .. وعلى ان أزوده في اسرع وقت ممكن بقائمة اسماء الوفد المرافق لهون سين لاتخاذ الاجراءات اللازمة من تنظيم لمراسم الاستقبال والاقامة .. وافق السيد هون سين على مثل هذا اللقاء وبالشروط التي وضعها الامير سيهانوك .. وبالفعل تم تزويدي بكافة المعلومات المطلوبة بما فيها قائمة اسماء الوفد وموعد الوصول ورقم الرحلة ، حيث كانت على خطوط الطيران السوفياتية " الايرفولوت " القادمة من موسكو الى بيونغ يانغ عبر مدينة خبرسكوي الحدودية ... وبدوري نقلت كل تلك المعلومات للامير سيهانوك .. في رسالة بهذا الشأن وجهتها الخارجية الكمبودية للسفير الفلسطيني في بيونغ يانغ تقول :
The foreign ministry of the People’s Republic of Kampuchea express thanks to comrade Moustapha Al Saphariny, Representative Extraordinary and Plenipotentiary of the Palestine Liberation Organization in the Democratic People’s Republic of Korea for conveying the proposal issued by Prince Norodom Sihanouk to meet Comrade Hunsen, Chairman of the Council of the Ministers of the People’s Republic of Kampuchea, in Pyongyang and for the conveyance of Comrade Hun Sen’s agreement with the proposal to Prince Norodom Sihanouk.
في الخامس عشر من حزيران التقى الامير برؤساء وفود دول اّسيان ( منظمة جنوب شرقي اسيا : الفلبين ، اندونيسيا، ماليزيا ، سنغافورا ، تايلاند ، بروناي ) المشاركة في المؤتمر الوزاري لدول عدم الانحياز للتعاون جنوب _جنوب الذين استشفوا عزم الامير على فتح حوار مباشر مع نظام فنوم بنه . ومما لاشك فيه انهم قاموا بابلاغ حكوماتهم لما استشفوه واستنتجوه من حديث الامير لهم ، وتوجهاته الجديدة ، خاصة وان الكثير منهم قد حمل رسائل من حكوماتهم للامير تتعلق باستيضاحات اكثر للخطوة التي قام بها الامير في السابع من ايار عام 1987 واعلانه الشهير بالاستقالة من رئاسة كمبوديا الديمقراطية لمدة سنة ، وحمل البعض من هذه الرسائل دعوتهم الامير للعدول عن هذه الاستقالة لما تتركه من نتائج سلبية على النضال من اجل تحرير كمبوديا من الاحتلال الاجنبي ، ولما تتركه من اثار سلبية على القضية الكمبودية وتعاطف المجتمع الدولي معها عند مناقشتها في الجمعية العمومية لهيئة الامم المتحدة .
بمناسبة عيد ميلاد الاميرة ميونغ سيهانوك والذي يصادف الثامن عشر من حزيران ، وككل عام قام الزعيم الكوري بتنظيم حفلة ضخمة للاميرة والامير بهذه المناسبة . وعلى الارجح ان الامير طرح على الزعيم الكوري رغبته في اللقاء بهون سين في بيونغ يانغ . الا ان الزعيم الكوري لم يكن متشجعا لمثل هذ ا اللقاء في بيونغ يانغ ، لعدم وجود ضمانات لنجاح مثل هذا اللقاء من ناحية ، ومن ناحية اخرى لايريد ان يتحسس الرفاق الصينيين والخمير الحمر من مثل هذا اللقاء .
قامت اندونيسيا بتحريك مبعوث سريع للامير المقيم في بيونغ يانغ طالبة منه وعلى لسان وزير خارجيتها مخاتير عدم التسرع في الجلوس مع نظام فنوم بنه واعدة اياه بترتيب لقاء سريع مع الفيتناميين بصورة مباشرة ، وهكذا استجدت اسباب كثيرة حالت دون لقاء هون سين - سيهانوك ، خاصة وان جمهورية الصين الشعبية التي ارسلت عدة رسائل للامير عند استقالته في السابع من ايار 1987 بما في ذلك رسالة الرفيق دنغ شياو بنغ و لي شين نيان و جاو تزي يانغ ، اكدت على ان حل المشكلة الكمبودية مرهون على الانسحاب الفيتنامي العسكري من كمبوديا .
اضطر الامير ، الذي اجل لقاءه بالسفير الفلسطيني لعدة مرات، على ارسال السيد تشين خاي مدير مكتبه ليحمل للسفير الفلسطيني رسالة خطية مؤرخة في الخامس والعشرين من حزيران 1987 ، يعتذر فيها الامير عن لقائه بهون سين ، طالبا الغاء الموعد المتفق عليه ، موضحا بعض الاسباب لهذا الالغاء غير الموضوعية في نظري .. اوضح الامير ان هون سين قام بحرق صورة الامير سيهانوك في الساحة الرئيسية لفنوم بنه وامام الاف الجماهير، واستمرار هوت سين في حملة دعائية كاذبة ضد الامير ... الخ .. جاء في الرسالة :
His Excellence Mr. Moustapha Saphariny,
Ambassador of Palestine (PLO)
PyongYang
DPR of Korea
You Excellence my dear friend and brother,
I beg you to convey to Mr. HUN SEN, “Prime Minister of the People’s Republic of kampudean”in Phnom Penh, my apologies for not being able to meet with him here, in Pyongyang,(or elsewhere),this month or in the near future, because of these recent unfortunate occurrences:
a/- recently, in Phnom Penh, the “government” of MM.HUN SEN & Heng Samrin has, in the presence of Khmer people, burnt down the effigy of Norodom Sihanouk “accused of being an of plo pot”.
b/- recently, “ PRK” 0fficials have said very bad, unfair and unjust things about me (Sihanouk)to foreign press correspondent of THE CHRISTIAN SCIENCE MONITOR these words – and I quote the U.S. News paper :
Says Vandy Kaon, a French – trained sociologist who is a government adviser and secretary-general of the Kampuchean-Vietnamese Friendship Association, “the main problem is that he (Sihanouk)is not the same Sihanouk as when he was King . (…)His tactical alliance again with the Khmer Rouge , all work against him now , say PRK officials. His popularity is greatly reduced, they say”.
So, according to those “Quislings” in Phnom Penh (who themselves, in the years 1970-1975, fought against U.S. Imperialism and the pro-USA “Quislings” Lon Nol –Sirik Matak –long boret), I (Sihanouk)was “guilty” of fighting “against” Lon Nol (Sic) in the early 1970s and even “guilty” of being under house arrest (Sic) during the rule of Pol Pot from 1975-1978!!!
And, so far as my so-called “greatly reduced popularity” is concerned, may I mention to Your Excellency this paragraph of the Christian Science Monitor `s same article, - and I quote: “International aid workers in Phnom Penh and many Cambodians say that a majority of peasants years of his later rule in the 1960s, before the maelstrom of the rightist Lon Nol regime and ruthless utopianism of the Khmer Rouge’s Pol Pot”
Your Excellency my dear Friend and brother,
Science 1979 up to now, the SR of Vietnam officials and “PRK” officials never cease showing off to all their interlocutors and to the Khmer and KPNLF and several of newspapers and magazines in the “free world”, the capitalist Bloc and the Soviet Bloc, they never cease slandering and discrediting me, and tarnishing my reputation, dragging me in the mud.
Under these conditions, there is no possibility to have dialogues which could be useful to Cambodia and helpful for the Khmer people.
On the other hand, I beg Your Excellency’s personal indulgence vis-à-vis myself. It is not my fault if Hun Sen-Sihanouk`s meeting cannot take place…
Please, accept Your Excellency my dear Friend and Brother, the expression of my deep gratitude and the assurances of my very high and very affectionate consideration.
لقد حالفنا الحظ كوننا استطعنا ابلاغ السيد هون سين عن الغاء اللقاء قبل مغادرته العاصمه فنوم بنه متوجها للعاصمه الكوريه مرورا بموسكو .
في الواقع , ان وقع الغاء اللقاء ، واحباط اول محاوله ، بل اول تجربه لي في مثل هذا المجال من الوساطات رفيعة المستوى ، خاصة وساطة في مثل هذه المشكله المعقده ، كان كبيرا ومؤثرا واحدث نوع من عدم الثقه بيني وبين السيد هون سين رئيس وزراء كمبوديا الشعبية ..
خرجت اندونيسيا من مؤتمر وزراء خارجية منظمة دول اسيان الذي عقد في سنغافورا في الرابع عشر من حزيران مخولة للتحرك باسم المنظمة لايجاد حل سلمي تفاوضي للمشكلة الكمبودية ..
تحركت اندونيسيا على الجبهتين ، جبهة فيتنام وجبهة سيهانوك . استطاعت ايقاف سيهانوك من التحرك المنفرد وفتحت الحوار امامه مع فيتنام .. حرصت اندونيسيا ان تحافظ على حل المشكله الكمبودية في الاطار الاقليمي وحاولت بكل ثقلها الاقليمي الدولي تصدرالحل و تكريسه لصالحها ..
ففي السابع والعشرين من تموز 1987 ، نجحت اندونيسيا في توقيع اتفاقية مع فيتنام سميت " باتفاقية هوشي منه " ، وكانت هذه الاتفاقية قد وقعت باسم المجموعتين ،مجموعة دول الهند الصينيه الثلاث ( فيتنام ، لاووس ، كمبوديا ) ومجموعة دول منظومة اسيان الست ( اندونيسيا ، ماليزيا ، الفلبين ، تايلاند، سنغفافورا ، برناوى) .. ربطت هذه الاتفاقية حل المشكلة الكمبودية بتطبيع العلاقات بين جميع دول جنوب شرق اسيا والتوصل الى حل سلمي شامل للخلافات بين دول المنطقة ..
بالنسبة للمشكلة الكمبودية تم الاتفاق على عقد "حفل استقبال " Cocktail Party " لجميع اطراف النزاع الكمبودي ويعقد على مرحلتين :
المرحلة الاولى : تقوم اندونيسيا بدعوة اطراف النزاع الكمبودي الاربعة ( هون سين ، كيو سان فان ، سون سان والامير ) للجلوس سويا على طاولة مفاوضات مستديرة كوفدين اثنين ، وليس كاربعة وفود . الامير يترأس وفد كمبوديا الديمقراطية ، اي حكومة الائتلاف التي تضمه و كيو سان فان ، وسون سان . وهون سين يترأس وفد كمبوديا الشعبية .. هذه المرحلة تكون اجتماعاتها مقتصرة على اطراف النزاع الكمبودي فقط . وهذا ما تريده ها نوي ، كي لا تظهر امام العالم كطرف في الصراع الكمبودي . علما ان الامير والخمير الحمر كانا يرفضان اي لقاء مع حكومة فنوم بنه دون مشاركة فيتنام باعتبارها طرفا مباشرا ورئيسيا في المشكلة بسبب وجود قواتها في الاراضي الكمبودية ..
المرحلة الثانية : انضمام كل من اندونيسيا وفيتنام ، كممثلتين للمجموعتين ، الى طاولة المفاوضات لجانب اطراف النزاع الكمبودي . وبذلك تكون المرحلة الثانية عبارة عن مؤتمر اقليمي .. وبذلك تظهر فيتنام للعالم كاندونيسيا في علاقتها بالمشكلة الكمبودية او كأي دولة اخرى من دول المنطقة ..
الخمير الحمر سارعوا ومنذ الوهلة الاولى من توقيع وصدور هذا الاتفاق بين فيتنام واندونيسيا ممثلتين بوزيري خارجيتهما ، نغوين كوتاك ومخاتير ، بالرفض والاستنكار ، كما ورفضت تايلاند مثل هذا الاتفاق ، مطالبين باشراك فيتنام في المرحلة الاولى من المحادثات كونها ضالعة بالمشكلة الكمبودية واحد اطرافها الاساسيين .
لم يستطع وزير الخارجية الاندونيسي تحقيق ما وعد به الامير .. الامر الذي دفع الامير مرة اخرى بالتلويح بعصى الاجتماع مع هون سين .. يعي الامير مدى صعوبة موافقة الخمير الحمر على الجلوس مع هون سين .. تم استئناف اللقاءات من جديد بيني وبين الامير وتعددت خلال شهري حزيران وتموز .. الا انني كنت حريصا على عدم فتح اي حوار معه عن المشكلة الكمبودية .. في الثاني من اب 1987 ، وفي لقاء مطول بيننا ، عاد الامير ليتحدث عن امكانية لقائه بهون سين على الارضية السابقة .
نتيجة لتجربتي غير المشجعة في هذا الصدد، كنت مترددا في التفاعل من جديد مع طروحات الامير ومع هذه الوساطة ، على الرغم من قناعتي التامة بجدواها وبمدى تحريكها للحل السلمي للمشكلة الكمبودية .. وبناء على تعليمات الرئيس ياسر عرفات في المضي قدما والعمل على تحقيق قمة كمبودية تجمع الامير بهون سين ، لما فييها من تخفيف لحدة التوتر وتذييب للكثيير من الثلوج في العلاقة بين الاطراف الكمبودية المتخاصمة ، ذكرت الامير بالقاء الذي لم يتم في حزيران رغم الترتيبات التي تمت والجهود التي بذلت .. اكد الامير على ان ثقتة كبيرة بأخيه الرئيس عرفات وبقدرته على استمرار التحرك والمساهمة في حل المشكلة الكمبودية ..
ففي الخامس عشر من اّب 1987 ، وجهه الامير سيهانوك رسالة رسمية الى سفير دولة فلسطين لدى كوريا يؤكد فيها استعداده على اللقاء بهون سين في باريس ، وبشكل غير رسمي ، فيما اذا طلب هون سين ذلك .. تقول الرسالة :
back next