شو إن لاي في عيني الدكتور السفاريني
شو إن لاي في عيني الدكتور السفاريني
يعتبر رئيس الوزراء الصيني الأسبق شو إن لاى شخصية عمالية ، وسياسيا وعسكريا ودبلوماسيا عظيما ، وأحد القادة الرئيسيين للحزب الشيوعي الصيني وجمهورية الصين الشعبية. وهو أيضا أحد المؤسسين لجيش التحرير
الشعبي الصيني. وكان يلتقي بالعديد من الزعماء والمسؤولين والدبلوماسين الأجانب، فما هي انطباعاتهم عن هذا الزعيم الصيني العظيم؟
أعزائي، إن الدكتور مصطفى السفاريني كان سفير دولة فلسطين لدى الصين خلال فترة عام 1992 و2002، وتوجه إلى الصين للعمل في أول بعثة دبلوماسية لفلسطين خارج الدول العربية قبل ثلاثين عاما، وفي أيامه الأولى بعد بدء العمل بالصين وجد نفسه وجها لوجه مع شو إن لاي، وذكر السفاريني أن ما فعله وما قاله شو إن لاي ترك لديه انطباعات عميقة، حيث قال:
" أتذكر بعض المشاهد التي تركت لدي انطباعات كبيرة وعميقة، ولن أنساها أبدا في ذلك الرجل السياسي، تلك الشخصية الإنسانية، ذاك القائد الجماهيري شو إن لاي، الذي أكن له مشاعر خاصة، ليس لأنه قائد صيني، وحقق إنجازات سياسية باهرة للصين وخاصة على المسرح الدولي منذ مؤتمر باندونغ، وحتى وفاته. أقول لدي قناعات خاصة بأنه لعب دورا مؤثرا في مسيرة حياتي الشخصية. فأذكر عندما كنت أعمل في بعثة منظمة التحرير الفلسطينية لدى الصين في بداية العام 70 من القرن الماضي، ولم أكن في ذلك الوقت أتقن لا اللغة الصينية ولا حتى الانجليزية، وفي إحدى الحفلات الرسمية التي تنظمها الحكومة الصينية في المناسبات الوطنية، أذكر ذاك التواضع الذي يتحلى به شو إن لاي فكان دائما ما يهتم بضيوفه كثيرا. فعلى الرغم من أن قاعة الشعب الكبرى أو الصالة الرئيسية التي تتسع لمئات الأشخاص أو الضيوف كان دائما يصر على مخاطبتهم واحدا بعد الآخر ويشرب بصحتهم ويتمنى لهم السلام والتوفيق في أعمالهم في الصين. في تلك المأدبة طلبت من المترجم الذي يلازمني ويرافقني بأن يعلمني كلمتين صينيتين أحيي بهما رئيس مجلس الدولة الأسبق شو إن لاي، إلا أن عظمته وقوة شخصيته قد أنستني تلك الكلمات التي تعلمتها من المترجم وهو زميلي وصديقي وحبيبي اسمه السيد قاو، وما كان مني إلا أن أحيه باللغة العربية وترجم صديقي ما قلته الترجمة فأعتقد أن المترجم قال له إني من البعثة الفلسطينية- بعثة منظمة التحرير الفلسطينية حضرت للعمل في البعثة وأني منتسب للجامعة وأدرس في مجال الطب. فوقف شو إن لاي وبدأ يتحدث عن العلاقات الصينية العربية بكل تفاؤل وبعد نظر وتطرق إلى عامل اللغة وأهميته في لعب جسر لتقريب وتعزيز وتفعيل وتطوير العلاقات العربية الصينية. فهمت من هذا ، عبر المترجم ، أن اللغة مهمة جدا في تعزيز العلاقات مع الشعوب. وهكذا انتهى الحديث بابتسامته العريضة وتركت شخصيته انطباعا كبيرا لدي. عدت إلى البعثة وجلست مع زميلي المترجم وقلت له فهمت أن شو إن لاي يحبني، قال لي :"طبعا!". كان يتحدث معي بتواضع فلم أستطع أن أجيب على أي سؤال أو أي استفسار له. كانت مشاعري خليط من الشعور ليس بالخجل وليس بالخوف، ولكن شعورا عميقا جعلني أحس بعظمة هذا الرجل وتواضعه الكبير. قلت إني فهمت أنه يهتم باللغة، قال المترجم: "نعم". فقلت له: "اسمع يا سيد، أنا لن أتعلم لا الطب ولا الهندسة، أريد أن أتعلم اللغة الصينية". وبالفعل بدأت تعلم اللغة الصينية وأرسلت وزارة التربية مدرسا خاصا لي يأتيني في ألاسبوع ثلاث مرات إلى البعثة ومن ثم انتسبت إلى جامعة بكين في مطلع عام 1972. فتغير مسار حياتي. هذا المشهد لن أنساه أبدا وهو مؤثر حقيقة ودرست اللغة الصينية وكما تعلم أنني أتحدثها وأعشقها وجعلتني أدخل قلوب الصينيين وأتعرف على أحوالهم وعاداتهم وتقاليدهم. تشبعت من السياسة الخارجية السلمية والمستقلة، وتعلمت كثيرا من الدبلوماسية الشعبية. أخذت الدروس خارج الجامعة فالمجتمع الصيني وحده مدرسة لا تنضب تستطيع أن تتعلم منها الكثير . فهي مدرسة قائمة بحداثتها ومتجددة. صقلتني وأغنتني بالمعارف الكثيرة. مما أهلني لمناصب سياسية وحكومية عالية، منها كسفير لدولة فلسطين في هذا البلد. واستطعت أن أحقق بعض الإنجازات السياسية والدبلوماسية في فترة عملي كدبلوماسي التي زادت عن 35 عاما. كل ذلك بفضل شو إن لاي."
كان قد التقى الدكتور السفاريني بشو إن لاي لمرات عديدة ، وسجل في كتابه "أيامي في الصين" قصة حقيقية وقعت بينه وبين رئيس مجلس الدولة الأسبق شو إن لاي. وذات مرة، شارك السفاريني في إحدى الزيارات التي نظمتها الخارجية الصينية إلى إحدى المناطق، وفي مأدبة عشاء إقامتها الحكومة المحلية على شرف الدبلوماسيين، جلست الى جانبه عجوز مسنة من كندا، بعد تعارفهما وتناولهما أطراف الحديث حول الكثير من الأمور، ألحت عليه لمشاركتها شرب "الموتاي"، فرفض السفاريني معتذرا. الحت لدرجة يصعب التهرب من مشاركتها، قال مداعبا بأنه إذا شرب فلن تستطيع مجاراته، وأصرت على المنافسة رغم فارق العمر. وما كان منه إلا أن وضع أمامه كأسا من الماء، يعبيء منه كأس الموتاي كلما فرغ، بينما بدأت هي بتناول الموتاي حقا، وهكذا شربت حتى الثمالة، من معها على المائدة نبهوه بالتوقف، ففعل السفاريني وهكذا بدأت على العجوز علامة الفوز، بعد دقائق، ومع موعد انتهاء الحفل وخروج الحضور، ابتسم السفاريني لها وأطلعها على حقيقة شربه للماء وليس الموتاي، واذ بها تنقلب رأسا على عقب، مبدية غضبها واستياءها بصوت لفت أنظار من حولهما، وبينما كان شو ان لاي في طريق مغادرته للقاعة، انتبه لها وعرج على مائدتهما، وبعد ذلك، ترك ما فعل شو إن لاي وما طلب منه إنطباعات عميقة في نفس السفارني، وسجله في كتابه:
"ما إن عرف رئيس مجلس الدولة الصيني الأسبق شو إن لاي الحقيقة، لقنني درسا لن أنساه، وفهمت منه أن على الإنسان أن يكون صادقا مع نفسه قبل ان يكون صادقا مع الآخرين، وان لا يقبل للآخرين ما لا يقبله لنفسه، طالبا مني الاعتذار لها والسهر على راحتها. ازدادت عظمة هذا القائد وازدادت محبتي واحترامي له، فهو لا تفوته كبيرة أو صغيرة، شاردة أو واردة."
اذاعة الصين الدولية





























