【中阿社区】【旅游健康】【数字事实】【招商引资】【企业服务】【战略.研究】【投资委员会】【专题活动】【文化.教育】【经贸投资】【政治事务】【快讯】【首 页】
【الرئيسية】【أخبار واحداث】【شؤون سياسية】【تجارة وقتصاد】【ثقافة وتعليم.】【أنشطة خاصة】【مجلس التنمية】【ابحاث استراتيجية】【مؤسسات وخدمات】【فرص وعروض】【ارقام و حقائق】【فيديو وصور】【الجالية العربية】
当前位置: 首页>在中国的日子>التغييرات الهائلة التي اتت بها سياسة الاصلاح والانفتاح

التغييرات الهائلة التي اتت بها سياسة الاصلاح والانفتاح

作者: 穆斯塔法.萨法日尼

قبل ان اتحدث في هذا المجال ، اود ان اسجل احترامي وتقديري، كأجنبي صديق للشعب الصيني ، للرعيل الاول من القيادة الصينية ممثلة في الرئيس ماو تسي تونغ وجو ان لاي ، مؤكدا على ايماني المطلق بما حققته من ماّثر بطولية ومساهمات عظيمة وتضحيات جسام على طريق التحرر والبناء الوطني في الصين ، اضافة الى مساهمته في دعم ونصرة حركات التحرر في العالم بما فيها قضية شعبي الفلسطيني العادلة ونضاله الحق .. وأثق ككل صيني انه لولا تلك المساهمات العظيمة للرعيل القيادي الاول لما وصلت الصين الى ما هي عليه اليوم من تقدم وازدهار .. وان سرد مشاهداتي ومقارنتي بين فترتين عاصرتهما في الصين ، فترة الثورة الثقافية وفترة الاصلاح والانفتاح ، ليس الا لتعريف القاريء العربي على التقدم الهائل الذي حققته الصين في سنوات الاصلاح والانفتاح ، وتفنيد بعض الادعاءات الغربية المضلله لحقائق مشهودة تعيشها الصين .. وعند التطرق الى حركة الاصلاح والانفتاح في الصين ، اول ما يتراءا امامنا وبشكل تلقائي ذاك الكم الهائل من المنافع التي اسعدت عامة الشعب الصينى وغطت جميع اوجه حياته ، ولا استثني نفسي ، كأجنبي عاصر تلك الحقبة ، فالشعب هو أكبر المستفيدين من الاصلاح والانقتاح .. فلم يعد لدى الشعب الصيني ، الذي يعد خمس البشرية ، اي مشكلة في المأكل والملبس والمسكن .. ان السعادة والارتياح تبدوا على الوجوه ، في المنزل والعمل والشارع .. والتصرفات عادت تلقائية وغير مصطنعة .. الحق يقال بأن ما تحقق في هذا المجال لم ينعكس ايجابا على أداء ومستوى الحياة المعيشية لعامة الشعب الصيني بشكل عملي وملموس فقط ، بل وايضا على راحتهم النفسية واستقرارهم الاجتماعي .. فعلى المستوى العمراني ، تحولت بكين الى ورشة عمل ، فالرافعات الشاهقة التي تتحرك في كل الاتجاهات هنا وهناك اشبه ما تكون ب "سرب من الكركى الراقص " .. ان كل من يغيب عن الصين لسنة واحدة فقط يقف مذهولا امام المستجدات والمتغيرات ، ويكاد لا يعرف الحي الذي كان يقطنه لما استجد عليه من ناطحات سحاب وطرق وجسور معلقة ، وعاد اهل بكين يرددون " نعم مع كل يوم جديد لا بد وان يكون هناك شيئا جديدا " وكأنهم في صراع مع الزمن سباق مع الوقت .. اذكر في بداية عملي في بعثة منظمة التحرير الفلسطينية لدى الصين ، كنت في الساعة السادسة صباح كل يوم أحد اسير على قدمي منطلقا من سان لي تون ( حي السفارات ) متجها نحو الجنوب حتى بناية التجارة الدولية ( حاليا ) الواقعة على رصيف شارع السلام الدائم الذي يطلق عليه " الشارع الاول في الصين " لاسير معه الى وانغ فو جين وساحة تيان أن مين الشهيرة " بوابة السلام السماوي " وقاعة الشعب الكبرى والمتحف الوطني و شي دان ليوصلني الى فندق القوميات .. نفترق هناك لاعود من حيث انطلقت سالكا شارع تشاو يانغ مارا من امام مبنى وزارة الخارجية ( القديم ) ، ومن ثم المبنى الجديد ، ومتجر لانداو الى ناطحة السحاب جينغ كوانغ على رصيف الدائرة الثالثة .. شريط في ذهني واضح المعالم ، الا ان المقارنة بين الماضي والحاضر قد لايصدق او يبعث الى الخيال كأفلام وحكايات علي بابا العربية او سوين يوي كون الصينية .. وقد لا يصدقني القول الكثير من الشباب الصيني عندما اقول انني لم اكن اشاهد اي مبنى يزيد عن الطابقين او ثلاثة طوابق ، متجر الصداقة وفندق بكين وقاعة الشعب الكبرى والمتحف العسكري وفندق القوميات ، بينما شارع تشاو يانغ الموازي لشارع السلام الدائم فلم اذكر اي معلم فيه .. اما اليوم وبفضل سياسة الاصلاح والانفتاح تحولت المباني الطينية الى ناطحات سحاب لا تقل عن نظيراتها في الدول المتقدمة .. ولست في صدد وصف تلك المباني والابراج وناطحات السحاب حديثة الطراز او الكتابة ، فيكفيك القاء نظرة على مدينة بكين من الجو او من على جبل جينغ او من فوق برج ناطحة السحاب للتلفزيون المركزي لتجد انها عادت تضاهي باريس ونيويورك جمالا وعظمة .. شارع وانغ فوجين ، مركز المدينة ، ومركز التقاء ومزار جميع فئات الشعب الصيني .. اعرف كل زاوية ومدخل فيه .. كنت دائما ما اذهب وحدي مترجلا ، او مع الزميلين وو ون بينغ " أديب " والاستاذ لي " علي الصغير " على دراجاتنا الهوائية ، الى اشهر المطاعم التقليدية الصينية الواقعة في الطرف الشمالي للشارع ، لتناول اشهر طبق شعبي صيني ال " جياوزه " .. ولي من النوادر والقصص الكثير مع هذا الشارع ، قبل وبعد الاصلاح والانفتاح ، واكثرها طرافة حادثة " السفير والعجوز " التي وقعت خلال زيارة الرئيس الوالد ياسر عرفات رحمه الله للصين عام 2001 .. كأي سفير معتمد ، كان علي ان الخص للرئيس الفلسطيني اّخر المستجدات على الساحة الصينية قبل بدء محادثاته الرسمية مع الرئيس جيانغ تزى مين .. معرفتي بحياة وعمل الرئيس عرفات جعلني اقتنص اي فرصة بعد وصوله مكان اقامته في المبنى السادس عشر لدار الضيافة " دياو يوي تاي " لاتحدث معه .. الرئيس ياسر عرفات بحد ذاته غرفة عمليات متنقلة .. حيوية متجددة أينما كان .. قضية شعبه تسري في شرايين دمه وتشكل اكسجين هوائه .. فمن المعروف عنه انه دائما مايكون على رأس قواته في المعارك ، العسكرية والسياسية .. وما ان وصل مكان الاقامة حتى بدأ يقود ويوجه شعبه عبر المكالمات الهاتفية وجهاز الفاكس ، وهكذا حتى الثانية بعد منتصف ليلة وصوله .. ذكرته ببرنامج الزيارة الذي سيبدأ في العاشرة من صباح نفس اليوم ( الثاني عشر من نيسان ) في قاعة الشعب الكبرى ، حيث الاستقبال الرسمي الذي سينظمه الرئيس الصيني جيانغ تزى مين واستعراض حرس الشرف والمحادثات الرسمية ومراسم توقيع الاتفاقيات التعاونية ومأدبة غداء ينظمها الرئيس الصيني على شرفه .. استراح عدة ساعات ، لنلتقي به ثانية على مائدة الافطار التاسعة صباحا .. اغتنمتها فرصة واسترسلت في حديثي بنقاط واضحة وارقام محددة ، قاطعني خلالها عدة مرات مستفسرا عن بعض النقاط .. الوزراء الفلسطينيون كانوا يتابعون الحديث باهتمام ويودون سماع المزيد من المعلومات ، والكثير منهم كان قد قرأ التقرير الذي قدمته لكل منهم عند الوصول .. قاطعني رئيس دائرة المراسم في الخارجية الصينية الذي طلب الحديث معي على انفراد .. تحدث معي بكل تفصيل حول كل ما يتعلق ببرنامج الصباح ، وطلب مني دعوة الرئيس والوفد الرسمي للتحرك باتجاه قاعة الشعب الكبرى .. بالفعل تحركنا في موكب مهيب .. تعمدت الجلوس بجانب الرئيس عرفات في سيارتة .. وعلى الفور بدأت استكمل حديثي مستغلا الدقائق الاخيرة التي سبقت المحادثات الرسمية .. اعي جيدا ، ويعي كل من عرف وعاشر الرئيس عرفات بأنه في غاية الاطلاع والمتابعة للشأن الصيني ويتابع بكل اهتمام لكل ما يحققه هذا البلد الصديق من تقدم وازدهار .. اختتمت حديثي قائلا " .. ان سياسة الاصلاح والانفتاح هي عملية مبرمجة الخطوات ومحددة الاهداف بشكل دقيق .. فالخطوة الاولى ، عقد الثمانينات ، العقد الاول من عمر سياسة الاصلاح والانفتاح خصص لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية .. وهكذا كان حيث حققت الصين زيادة تنموية ثابته بمعدل 9% ، وتحسنت الحياة المعيشية لعامة الشعب الذي تبناها ورفدها بكل امكاناته وطاقاته الخلاقة .. واطلقت على مهام عقد الثمانينات جزافا بناء البيت من الداخل " .. وبحنكة العظماء هز الرئيس عرفات برأسه دون اي تعليق تفاديا مقاطعتي حرصا على الوقت المتاح ، وكأنني أستقرء من عينيه الثاقبتين رغبته في الاسترسال .. " .. بينما العقد الثاني ، عقد التسعينات ، خصص لتحقيق اختراق في العلاقات الصينية مع دول الجوار لخلق بيئة اقليمية سلمية مؤاتية لتعزيز ودفع التنمية الاقتصادية .. وبالفعل حقتت الصين معجزة تحويل اعداء الامس الى شركاء اليوم ، واطلقت عليه عقد مصاحبة الجار ومشاركته " .. ثم قلتُ له منتهزا فرصة الهدوء التي منحني اياها والذي بدى عليه الارتياح كلما نظر الى الخارج من نافذة السيارة ليرى الشواهد الحية من تقدم ورخاء " العقد الثالث هو العقد الاول من القرن الحادي والعشرين ، استمرار الصين اتخاذ التنمية الاقتصادية كأساس لاعمال الحكومة ، والسير على طريق النهضة السلمية ، والخروج الى العالم قوية مسلحة بكل ما انجزته من تقدم في جميع المجالات على المستويين الداخلي والاقليمي ، لتلعب الدور الذي يجب ان تلعبه في الشؤون الدولية كدولة كبرى وكعضو دائم في مجلس الأمن الدولي وكأكبر دولة نامية في العالم .. ولتصبح قوة سلمية لا يمكن القفز عنها عند حل اي مشكلة اقليمية او دولية .. واطلقت عليه عقد تألق الصين دوليا .. سيادة الرئيس هذا ما يمكن تلخيصه عن سياسة الاصلاح والانفتاح التي اضفت مفردات ومضامين جديدة في القاموس السياسي الدولي . " علق الرئيس عرفات همسا على حديثي بثلاث كلمات ستبقى عنوانا ومرشدا لي في كل ما يخص الشأن الصيني " الصين صاعدة وواعدة " .. واذا بالموكب يخترق ساحة البوابة الشرقية لقاعة الشعب الكبرى حيث مراسم الاستقبال الرسمي .. تم استعراض حرس الشرف على انغام النشيدين الوطنيين الفلسطيني والصيني واطلقت المدفعية احدى وعشرين طلقة تحية لرئيس الشعب الفلسطيني ورمز نضاله صديق الشعب الصيني الحميم ... المحادثات الرسمية كانت تاريخية ، وحققت نتائج موضوعية وعملية .. دفعت في العلاقات الفلسطينية الصينية الى مرحلة جديدة .. انتهت الزيارة ، ومعنوياتي عالية جدا دون ان اشعر بأي تعب او ارهاق على الرغم انني لم انم الا ساعات طيلة الايام الثلاثة الماضية .. ذهبت للاختلاء بنفسي في الغرفة المعدة لي في دار الضيافة لاكتب القليل عن الزيارة للصحافة الفلسطينية ، واذ بأخ عزيز يطرق الباب ، انه المرحوم سليمان النجاب عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الامين العام لحزب الشعب الفلسطيني الذي نقل لي رغبته وبعض الوزراء المرافقين للرئيس في الخروج للمدينة والتعرف على معالمها .. كانت الساعة تشارف التاسعة مساء .. وافقت ورافقتهم الى ساحة تيان ان مين حيث الانوار الباهرة والاعلام الفلسطينية الصينية التي تزينها .. التقطوا بعض الصور وتوجهنا الى شارع وانغ فو جين .. اوقفنا السيارات في فندق بكين وترجلنا .. وانغ فو جين مزين بالانوار الباهتة ، الحوانيت مفتوحة .. الشارع مزدحم وكاننا في الظهيرة .. الجو لطيف والمعنويات عالية ، لا بل عالية جدا .. انني المرشد السياحي .. أحد الوزراء علق قائلا " كأننا في ساحة الشانزى لازيه الباريسية " .. والاّخر قال " المتاجر مزدحمة بالزبائن والمطاعم لا تجد مكانا فيها .. وهذا ما يعكس ارتفاع دخل الفرد وبحبوحة الحياة المعيشية التي يتمتعون بها " .. " الصحة تبدو واضحة على ابدانهم ، والسرور مرسوم على وجوههم " .. جلسنا على قارعة الطريق لنحتسي القهوة ، فاذا بفتاتين جامعيتين مع صديقيهما تفتحان حوارا طويلا باللغة الانجليزية مع احد اعضاء الوفد الفلسطيني طال العديد من القضايا الدولية وموقف وفهم الشعب الصيني لها وموقفه منها .. حوارا مفتوحا على الهواء يعكس مدى الانفتاح والاطلاع ، انها الحرية بعينها ، ممارسة حق التعبير عن الرأي " .. تابعنا المسير ، وبدأت اتحدث لهم حول التغيرات التي طرأت على هذا الشارع من خلال مقارنة حية بين الماضي والحاضر ، مشيرا في في يدي الى الجهة الشرقية من فندق بكين حيث تنتصب تلك البناية الحضارية الضخمة التي تمتد من شارع " وانغ فو جين " لتوصله في الشارع الشرقي الموازي له " دونغ دان " ليعطي مدخلا في غاية الجمال والرونقة لشارع وانغ في جين .. قلت لهم في سبعينات القرن الماضي ، لا بل حتى الامس القريب كان هذا المكان عبارة عن مبان ارضية تستخدم كمراحيض جماعية .. وكانت كل هذه المباني الضخمة والمحال التجارية الراقية ليست الا حوانيت صغيرة متناثرة على قارعة الطريق .. دخلنا متجر " دونغ ان الجديد " و " باي خوى دا لو " و " مكتبة شييخوا " وغيرها من المباني العصرية التي شبهوها بمدن قائم بذاتها .. تابعت حديثي قائلا " هذه الساحة الفسيحة كانت مكان تجمع للفلاحين الذين يزورن بكين في ايام العطل والاعياد .. فتجد الاوساخ والقمامة والبول والبساق وغيرها من المناظر والمشاهد غير الحضارية " .. وبينما اتقدهم واتحدث لهم كدليل سياحي وفي الايام الاولى التي يطبق فيها نظام مراقبة النظافة العامة ، ، واذا بعجوز في الستين من عمرها تمسك بكتفي الايسر من الخلف ، يبدوا على وجهها الانزعاج .. دهشت حقيقة ، وسألت عن مقصدها .. واذ بها تشير باصبعها الى ما تبقى من سيجارتي التي القيتها على الارض دون شعور ومن غير قصد لاندماجي في الحديث مع اعضاء الوفد الفلسطيني قائلة " ارفع السيجارة وارمها في صندوق المهملات الثابت على جانب الطريق " .. نظرت الى اعضاء الوفد الذين يتابعون كل حركة من حركات هذه العجوز ورد فعلي دون ان يفهموا شيئا عما يحدث .. حاولت ان اوحي لها انني زائر ولا اتحدث اللغة الصينية .. اشارت ثانية باصبعها وبلهجة الضابط العسكري الذي يأمر جنديه لتنفيذ مهمة ما على ارض المعركة قائلة " عليك الامتثال بكل الانظمة والقوانيين التي تسري على الجميع .. الجميع سواسية امام القانون ، لا فرق بين صيني او اجنبي امام القانون " .. اختصارا للمشكلة ومنعا من المزيد من التوبيخ والبهدلة ، سارعت في فعل ما امرتني به .. تجاهلتها وهممت باستمرار التحدث مع اعضاء الوفد ، وكأن شيئا لم يكن .. واذ بها تعيد الكرة ثانية لتمسك بكتفي الايسر قائلة " لم ينته الامر " .. وبدأت في حديث تثقيفي خشيت ان يستمر طويلا ، فقاطعتها قائلا وباللغة الصينية " اعتذر الف مرة ، ولم يكن عملي مقصودا ، وصدقيني انني من اكثر الاجانب حرصا وتمسكا في تنفيذ القوانين الصينية .. ارجوك ، انني ارافق بعض الاجانب الذين حضروا للتعرف على ما انجزه شعبكم الصديق في الاعوام الاخيرة .. " .. تفهمت الى حد ما الوضع الحرج الذي انا فيه وانهت الحوار قائلة " حادثة جيدة قد يستقرؤا منها بعض الاسرار الكامنة وراء هذا التقدم " .. تنفست الصعداء وحمدت الله على اطلاقها سراحي .. الا ان الامر لم ينته عند هذا الحد .. اعضاء الوفد الفلسطيني من اعز اصدقائي .. ضحكوا حتى البكاء ، وعلقوا تعليقات لا اول لها ولا اّخر .. عدنا الى دار الضيافة " دياو يوي تاي " ، واذا بالرئيس عرفات لا زال منهمكا في العمل .. جلسنا قليلا في الصالون ، واذ بالرئيس يدخل ليشاركنا الحديث .. بادر الرئيس في الحديث عن التطورات التي استجدت في الاسبوع الاخير على الساحة الفلسطينية .. ومن ثم بدأ يتحدث عن انطباعاته الايجابية للزيارة .. قاطعه المرحوم سليمان النجاب قائلا " فخامة الرئيس لقد استمعنا للسفير السفاريني الكثير حول الصين وشؤونها .. الا انه لم ينه حديثه ، فهل لنا وان نطلب منه الحديث حول التغيرات التي حدثت على شارع وانغ فو جين ، والحادثة التي وقعت اليوم .. " .. ضحك الجميع وبدأ كل واحد منهم يضخم ما حدث ويزيد عليه لبعث السرور في قلب هذا القائد الذي ادخل الامل في قلوب الشعب الفلسطيني برمته .. وهكذا اطلع الرئيس على حادثة " العجوز والسفير " .. معلقا " حقا ان ما قالته وفعلته تلك العجوز هو الحق في عينه " .. النهضة العمرانية في بكين لم تقتصر على حي او منطقة ، انها نهضة شاملة .. القرية الاولمبية مثلا او منطقة خايديان للالكترونيات وشي دان للمحال التجارية .. الخ . مدينة بكين ،العاصمة الثقافية للبلاد ،عادت مدينة حديثة وعصرية ونموذجية .. ومن الملفت للنظر سرعة الاصلاحات والتغيرات في المجال البيئوي .. فقد كنت لا ترى السماء من كثرة مداخن مصانعها والحافلات والشاحنات المسيرة بالفحم اضافة الى عدم معالجة المياه والبرك الراكدة ونفايا المصانع والمراحيض الجماعية المنفتحة على بعضها البعض .. الخ ، بينما اليوم قد لا تجد مصنعا في بكين او ضواحيها القريبة، وتحولت مناطق تجميع القمامة الى حدائق خضراء ، وتحولت البرك الراكدة الى مناطق تنزه ليلي ، ونشرت الحمامات العامة الحضارية في جميع انحاء المدينة ، واشترط على صانعي ومستوردي السيارات تركيب اجهزة معالجة على مداخن سياراتهم ، ومنعت السيارات القديمة دخول الشوارع الرئيسية في المدينة ووحدت اشكال والوان سيارات الاجرة ، وامتلأت بكين بالجسور المعلقة والالتفافية والقطارات السريعة المغتطسة والميترو ، واصبحت بكين عروس اسيا تنتظر بحلتها الجديدة دورة الالعاب الالمبية لعام 2008 .. الشواهد العمرانية في بكين كثيرة .. في اّخر زيارة للرئيس الراحل عرفات للصين عام 2001 ، اطلق على بكين ما قبل سياسة الاصلاح والانفتاح " بكين القديمة " و بكين اليوم " بكين الجديدة " .. اوافقه كل الموافقة على هذا التشبيه .. في السابق كنا نقول الاحياء القديمة .. النهضة العمرانية في بكين شاملة ولم تقتصر على منطقة من مناطقها .. فالشوارع الالتفافية حولها في تزايد .. الحلقة الثانية والثالثة حتى وصلت الحلقة السادسة التي تفصل بينها عشرات الكيلو مترات .. ان نهضة بكين العمرانية لم تكن الاوفر حظا او الاكثر عظمة من المدن والمناطق الصيني الاخرى ، انها نهضة طالت البلاد كلها .. فعند الحديث عن نماذج الاصلاح لا بد من الحديث عن مدينة شينجين الساحلية ، وعند الحديث عن شينجين يتماثل امامنا دنغ شياو بينغ وهو يلقي خطابه التاريخي في بداية تسعينات القرن الماضي في تلك البلدة الصغيرة متناثرة البيوت الفلاحية ، مطبخ دنغ للانفتاح ، المحاذية لهونغ كونغ ، والتي عادت اليوم من اكثر المدن الصينية تقدما وازدهارا ورمزا للإصلاح والانفتاح من حيث العلوم والتيكنولوجيا والتقدم العمراني والتطور الاقتصادي .. واصبحت محط انظار العالم ومركز رجال الاعمال والمستثمرين الاجانب .. عملية الاصلاح والانفتاح عمت البلاد كلها على الرغم من تفاوت التنمية بين اقاليمها .. فقد انتفع منها كل فرد صيني اينما كان .. استطيع القول بأنني الاوفر حظ من بين الاجانب المقيمين والزائرين في التنقل والترحال في هذه القارة الصينية الواسعة ، سواء ما قبل الاصلاح او بعده .. فاينما حللت تجد الكثير مما هو جديد ، والجديد في تجدد مستمر .. مع بداية الشهر الجاري ( تموز ) ، في السادس منه تحديدا ، زرت مقاطعة جيانغشي ثانية بعد انقطاع عشر سنوات عنها ، للمشاركة في ندوة بمناسبة الاصدار الاول لمجموعة كتب (( بانوراما الصين )) ، بدعوة من دار النشر للغات الاجنبية .. وعلى مدار ثلاث ايام قضيناها في فندق على سفح جبل جينغان معقل الثورة الصينية ، تم تناول الحديث حول هذه المجموعة من الكتب التي ينفرد كل منها للحديث عن الانجازات التي تحققت في كل مقاطعة ومنطقة ، بالفعل المجموعة تشكل بنوراما الصين .. لقد شارك في الندوة الكثير من الخبراء والمختصين الاعلاميين من جميع انحاء الصين ، ومن المكتب الاعلامي التابع لمجلس الدولة وفروعه في المقاطعات الاخرى الذين تحدثوا بدورهم عن الانجازات التي تحققت في مقاطعاتهم ومناطقهم .. لقد تم تشييد طريق سريع جديد طوله 300 كيلومتر و نيف فى بطون الجبال ليصل معقل الثورة الصينية ـ جبل جينقانغ .. لقد ذهلت بالانجازات التي تحققت في تلك المقاطعة وعلى وجه الخصوص حاضرتها مدينة نانتشانغ ، الامر الذي دفعني الى مداخلة تحدثت فيها عن اهمية الاعلام الخارجي ودوره في اطلاع العالم على ما يجري في الصين ، مشيدا في الدور الكبير الذي تلعبه دار النشر للغات الاجنبية في هذا الصدد .. الزيارة تركت لدي عظيم الاثر لما شاهدته من انجازات ، واعادت لي روح الشباب في تسلقي لقمة جبل الثورة والثوار والاطلاع على ماّثر صانعي المعجزات .. فعلى صعيد الحياة المعيشية ، الحق يقال بأن ما تحقق في هذا المجال لم ينعكس ايجابا على مستوى الحياة المعيشية لعامة الشعب الصيني بشكل عملي وملموس فقط ، بل وايضا على راحتهم النفسية واستقرارهم الاجتماعي .. فقد كانت الجيوب في السبعينات مليئة بكابونات تموينية مختلفة ومحددة لشراء المواد اليومية الاساسية .. فلكل شخص كمية محددة من الارز مثلا يبتاعها بكابونات معينة ، وينطبق ذلك على بقية المواد الاخرى .. فكنا نسطف طوابير في فصل الشتاء والبرد يخر العظام لشراء كنزة صوفية او غالون زيت .. في الوقت الذي كانت فيه الحكومة الصينية سخية جدا في تقيم المعونات الخارجية للدول والشعوب الصديقة وحركات التحرر العالمية .. ويمكن لاي كان تصور صعوبة الحياة في تلك الفترة ، وعلى النقيض منها ، الصورة التي نشهدها اليوم .. ازدهار الاسواق واكتظاظها بالمواطنين .. حيث عادت التجارة الداخلية تلعب دورا هاما في التنمية الاقتصادية .. واصبحت افضل الماركات العالمية في متناول ايدي المواطنين الصينيين ، فتجدها في الاسواق الصينية قبل ان تنزل الى اسواق الدول المنتجة لها .. فيمكن القول انه لا يوجد اي منتج في العالم غير متوفر في الاسواق الصينية .. فالمواطن الصيني الذي كان يحصل على طعامه بكابونات وبكميات قد لا تسد جوعه ، نراه اليوم وقد اصبح لا يختار من الطعام الا ما هو مغذي ويروق لذوقه .. وعادت المطاعم الفاخره واماكن الترفيه اكثر المؤسسات التجارية انتفاعا .. كما وترى ارتفاع مستوى معيشة المواطنين من خلال الرحلات السياحية التي يقومون فيها بشكل دوري في الاعياد والعطل الرسمية ، مما اعاد على قطاع السياحة الداخلية في الصين بالانتعاش والازدهار .. فقد انتهى عهد الاشتراكية الفقيرة ونظام التوزيع المتساوي والمكافأة للجميع دون تمييز ، اي تناول الجميع الطعام من " قدر حديدي واحد " .. فكيف للبلاد وان تتقدم اكثر دون حوافز مادية ومعنوية لا للاكفاء ولا للعلماء والمثقفين .. وكيف لعاملة متجر ان تجهد في كسب الزبائن وتقديم خدمات افضل وهي تأخذ مع نهاية الشهر نفس الراتب دون اي حوافز مشجعة .. بينما اليوم وفي ظل المنافسة الايجابية تغير كل شيء حيث طبقت الاشتراكية تطبيقا سليما وصحيحا " مردودك بمقدار عملك " .. وينطبق على ذلك على المسكن ايضا ، فقد كانت العائلة المكونة من ثلاث او اربعة افراد تعيش في غرفة او غرفتين صغيرتين بمطابخ وحمامات جماعية ، ويتناوبون على دراجة هوائية للتنقل بين المسكن والعمل .. بينما اليوم ترى الارتياح والحيوية ظاهرة على وجوه الصينيين .. يتمنى الصيني دعوة اصدقائه إلى منزله الجديد .. فهناك البحبوحة من حيث المساحة ، والجمال من حيث التصميم ، والكمال من حيث الأدوات المنزلية ، ولربما يمتلك أكثر من شقة واحدة .. ويمكن أن ترى البائعة، وأنت على بعد، تحييك وتستقبلك بكلامها اللطيف وباندفاع ملفت للنظر ، مبادرة في التعريف على بضاعتها جودة وسعرا ، وقد لا تفاجأ ان تخاطبك باللغة الانجليزية او اي لغة اخرى ، فتراها كتلة من الحيوية والنشاط ، فالحوافز موجودة كلما باعت اكثر حصلت على اجور افضل .. وهذا ينطبق أيضا على العلماء والخبراء والباحثين، حيث توليهم الدولة عناية خاصة وتقدم لهم المكافئات في حال إنجازهم وإبداعهم .. في ستينات وسبعينات القرن الماضي لم يكن هناك سيارات اجرة ، لا بل من الصعب ان تشاهد اي نوع من السيارات المدنية الصغيرة عدى القليل من سيارات العلم الاحمر وسيارات شنغهاي ، وامواجا من الدراجات الهوائية ، والحافلات المسيرة كهربائيا اوعلى الفحم .. بينما الآن تجد العاصمة بكين تزداد شوارعها ازدحاما لا يطاق ، على الرغم من تعميرها لمئات من الجسور الهوائية والالتفافية .. فالمنافسة واضحة بين ازدياد عدد السيارات الجديدة مع سرعة ازدياد اعمار الجسور والطرقات وتنظيم المواصلات .. اضخم واحدث سيارات العالم عادت تصنع في الصين ، فلم يعد استيراد السيارات الاجنبية واردا ، فهناك مصانع لكل انواع سيارات "ألاودي" و " الفلوكسفاجن " و" المرسيدس" و " دابل يو بي ام " الخ .. هناك في بكين اليوم اكثر من ثلاث ملايين سيارة ، ويزداد عددها ثلاثمائة الف سنويا .. الشعب الصيني عاد اكثر استخداما للكمبيوتر وهناك الان اكثر من مائة مليون مستخدم للانترنيت .. لقد انتهت تلك المشاهد التي كانت سائدة من لباس موحد للعمال والفلاحين والجنود ، بحيث لم تكن تفرق بين ذكر وانثى في الشوارع ، حيث كانت المرأة ترتدي ما يرتديه الرجال وبمشدات على صدرها واخفاء شعرها تحت القبعة الخضراء او الزرقاء بحيث لا يظهر من انوثتها شيئا ، ويبدوا الجميع في غاية الارهاق ، يذهبون للعمل في طوابير انتظامية وهكذا يغادرون ،الاجتماعات الحزبية المتواصلة تسلب اوقات راحتهم .. بينما اليوم تجد الشباب الصيني يتفنون في الموضة ويعتنون في الهندام والمكياج التي تعكس مدنيتهم وتقدمهم .. وهذا ما يعكس بوضوح الارتفاع المستمر لمستوى الحياة المعيشية للشعب .. قبل فترة وجيزة اتصل بي صديقي قان شي لاي ، الذي كان يعمل طاهيا في سفارتنا على مدار الثلاثين سنة الماضية ، ليدعوني لزيارة منزله الجديد .. طبعا تربطني به علاقات حميمة ، فخلال السنوات العشر التي عملت فيها كسفير لدولة فلسطين لدى الصين ، كنا دائما ما نتناول الطعام معا ، ونلعب الورق ، والما جيان سويا .. الصديق قان فرز في بداية سبعينات القرن الماضي من دائرة الخدمات الدبلوماسية للعمل في سفارتنا .. كان يعيش مع عائلته في غرفة واحدة بكاريدور صغير ، بينما المطبخ والحمام مشترك مع اربع عائلات اخرى .. بعد انتهاء العمل الرسمي كان دائما ما يستحم في السفارة قبل مغادرته ، وهكذا بقية الموظفين الصينيين الذين كانوا يعملون معنا .. فاستفسرت منه مستغربا " ما ذا ؟ منزل جديد ؟ هل انت في حلم ؟ لقد اخبرتني بذلك قبل خمس سنوات ، وباركت لك به وقدمت لك هدية بتلك المناسبة .. اعتقد انك كبرت واصبحت ضعيف الذاكرة ".. فأجابني ضاحكا " بالعكس الهرم قد بان عليك انت .. بالفعل اشتريت منزلا جديدا اّخر اكبر مساحة واكثر جمالا ، وتركت المنزل الذي زرتني به لولدي الذي تزوج قبل شهر تقريبا .. فلنتفق على موعد للزيارة لنأخذ طعام العشاء سويا على برندة المنزل التي يلفها الهواء العذب من كل صوب .. وفرصة لدعوة بعض الاصدقاء القدامى على شرفك لقضاء امسية للعب الورق او الماجيانغ نستعيد فيها ذكريات الماضي " .. ومثل الصديق قان مثل عامة الشعب الصيني الذي انتفع بسياسة الاصلاح والانفتاح .. ان سياسة الاصلاح والانفتاح هي معجزة العصر ، التي استطاعت ان تحقق كل هذه الانجازات لهذا الشعب الذي تبناها وحماها ومدها بكل عوامل الديمومة .. كيف لا وهي سياسة من اجل رفعته واسعاده .. وللتدليل اكثر على مدى الانفتاح الاجتماعي فلا زالت تلك الامسية الجميلة التي تجسد العادات والتقاليد الصينية العريقة عالقة في ذهني .. ففي رحلة استكشاف واطلاع على ما حققته الاقاليم والمناطق الصينية من تقدم وانجازات ، نظم السيد يانغ وى تشانغ نائب وزير الخارجية الصيني لنا ( نحن مجلس السفراء العرب ) امسية للتعرف على مراسم الزواج في الصين .. وامام جمع غفير من المشاركين في حفل الزفاف ، طلب الوزير منا اختيار "عريسان " من بين السفراء العرب .. فكوني اتحدث الصينية كان علي ان ابادر لهذه المهمة واغتنم هذه الفرصة التي لا تعوض ولخلق المزيد من الاجواء المرحة ، وعلى الفور اقترحت ان يكون سفير البحرين محمد المحميد نائب رئيس اللجنة الاعلامية والثقافية العربية ليكون العريس الثاني .. طلبت ان ارى " العروس " ، الا ان ذلك تطلب ظهور ولي امر العريس ، فما كان من نائب الوزير يانغ الا الترجل وطلب يد اجمل الحسناوات المتواجدات .. وفي جو مفعم من الود والصداقة ، ووسط الاهازيج والموسيقى والتصفيق تمت مراسم الزفاف على الطريقة التقليدية وباللباس التقليدي طبعا ، بحضور السفراء العرب وكوادر وزارة الخارجية الصينية و حشد كبير من الجماهير المحليين .. وما ان انتهت هذه السهرة الجميلة بتصفيق حار من قبل الحضور ، واذ بي اترجل واقول وعلى مسمع الجميع كيف لي وان اوافق على هكذا نهاية ، نعم للصينيين عادات وتقاليد نفتخر بها ، وها نحن السفراء العرب ، ولاول مرة نعيش بعض تفاصيلها .. الا أن عاداتنا وتقاليدنا ، وكما ه و عليه الحال ايضا في الصين ، ما دام الزواج قد تم ، فلا مفر من الطلاق عند الافتراق ، فما كان من الجميع سوى التصفيق والموافقة .. قصدت من قصدت من ذلك اطلاع السفراء العرب على المزيد من المعلومات عن حالة الطلاق فى الصين التي تأخذ بالاشتداد مع مر الايام . فراح السيد يانغ نائب الوزير يشرح لنا بالتفصيل الاسباب التي عادة ما تؤدي الى الطلاق وكيفية اجراءاتها ومعالجتها القانونية .. ومع سياسة الاصلاح والانفتاح ، ارتفع مستوى الحياة المعيشية للشعب ، وتعززت حرياته الاساسية ، بما فيها حقه في حرية التعبيرعن الرأي والمشاركة في الانشطة السياسية وغيرها ، وعاد المجتمع الصيني منفتحا على الخارج يتفاعل معه ، يستقبل ويرسل ، يتأثر ويؤثر .. فعلى المستوى الداخلي والخارجي عاد الفرد الصيني معني بما يدور حوله ، ومعني في ابداء رأية ووجهة نظره بكل ما يخص حياته بكافة مجالاتها ، ويتمتع بكامل الحرية القانونية في ابداء رأيه بكل ما يخص بلده وشعبه .. وكوني اجنبي يتحدث اللغة الصينية ، وسبق لي وان عملت لسنوات طوال في المجال الدبلوماسي والاعلامي والصحفي ، أقولها وبصراحة ان امتع الجلسات الصحفية والمناقشات السياسية التي جرت معي هي تلك التي تمت وتتم مع سائقي عربات الاجرة ، انها جلسات دون جدول اعمال ، تشمل كل ما يتعلق بحياة الدول والشعوب .. يتحدثون معك ويجادلوك بكل صدق وصراحة ، ويبدون اّرائهم ببساطة ودون اي تكليف .. لهم اذاعتهم الخاصة ، يعشقون ما تبثه من مواضيع تخصهم ، توجههم سياسيا واجتماعيا وحتى في اعمالهم ، فدائما ما تضعهم بصورة المواصلات في العاصمة واماكن الازدحام لتفاديها .. شبكات الانترنيت عادت اكبر الوسائل الاعلامية في الصين ، فمستخدميها من الصينيين فاق 120 مليون مستخدم ، يعبرون فيها ومن خلال المنتديات عن ارائهم تجاه قضايا الساعة ، وطنيا وعالميا ، ويتحدثون ويتحاججون مع وزارة الخارجية فيما يتعلق بالشؤون الخارجية ومع الدوائر الاخرى فيما يتعلق بالشؤون الداخلية ، انها الحرية بعينها .. لا بل وعادت الهواتف النقالة وسيلة اخرى بين المواطنين لتبادل الاخبار والمعلومات .. اما على صعيد التربية والتعليم فقد ظلت الحكومة الصينية ترفع شعار " النهضة بالعلم والعلوم " ، فظهرت المدارس والجامعات كظهور غرس الربيع بعد الامطار ، ويزداد عدد المنتسبين للجامعات في في اطراد .. وقد تم تشييد اّلاف من " مدارس الامل الابتدائية " فى الارياف ، و " مدارس العزائم الابتدائية " او " فصول العزائم الابتدائية " للاسر الفقيرة في المدن .. ففي الماضي ، كما ذكرت ، كانت كفاءة المدرسين تقيم من خشونة اليد بينما اليوم تقوم على الابداع في العلوم ، والمفاهيم الجديدة فى التربية والتعليم .. فخلال العشرين سنة الماضية أهلت الصين الكثير من الكفاءات المختلفة التي تقوم الاّن بلعب دورها فى كافة ميادين العمل مظهرة ذكائها ومواهبها .. فعلى سبيل المثال الكثير من العلماء والفنيين الشباب الذين شاركوا في اطلاق السفينة الفضائية الصينية المأهولة ، بدأ من عملية التصنيع والاطلاق والارشاد الى عملية التحكم عن بعد ، هم من " النتاج المقتدر " او " النتاج الممتاز " لقطاع التربية و التعليم في عهد سياسة الاصلاح والانفتاح .. وفي السنوات الاخيرة بدأ الطلبة الصينيين الذين أنهوا دراساتهم فى الخارج يعودون تباعا الى احضان الوطن للمساهمة في بنائه ، وقد ابلى الكثير منهم بلاء حسنا يبعث الفخر والاعتزاز .. اما على الصعيد الاقتصادى فان العالم كله يقف مذهولا امام هذه الزيادة السنوية العالية لمعدل النمو الاقتصادي ، كثيرون هم الذين كانوا قلقون على امكانية ديمومة مثل هذا النمو وبهذه السرعة، الا ان حقائق العقدين من الزمن ويزيد من عمر سياسة الاصلاح والانفتاح قد اكدت ذلك .. ومع تعاظم القوة الاقتصادية الصينية التي انعكست ايجابا على كل مناحي الحياة واوجهها ، وتعاظم القدرة الوطنية الشاملة GDP ، تعاظم معها دور الصين في الشؤون الاقليمية والدولية ، وازداد تأثيرها الدولي ليتلائم ومكانتها كأكبر الدول النامية في العالم ، وكعضو دائم العضوية في مجلس الامن الدولي .. السياسة الاقتصادية السليمة لم تأت بفوائد ومنافع جمة للصين وشعبها فقط ، بل ترك النمو الاقتصادي السريع اّثاره وبصماته الايجابية على الاقتصاديات الاقليمية والعالمية .. فبقدر ما ينمو الاقتصاد الصينى بقدر ما تتضاعف قوة تأثير الصين على العالم . انها معادلة طردية ، تسر الاصدقاء وتقلق الاعداء .. في نظري هذه مسألة في غاية الاهمية .. القوة الصينية الفعلية في تعاظم ، وان تغلب الصين على ما خلفته الفياضانات الخطرة لنهر اليانغتسى عام 1998 ، واعادتها تعمير المناطق المنكوبة واستئناف عمليات الانتاج فيها بتلك السرعة لهو دليل حي على قوة هذا الاقتصاد وعظمته .. وللدلالة اكثر الدور الايجابي الذي لعبه الاقتصاد الصيني في تقليل حدة الازمة المالية الاسيوية .. فما كادت هذه الازمة وان تطل بظلالها على هونغ كونغ ، حتى سارعت القيادة الصينية في الاعلان عن " وقوف الحكومة الصينية المركزية خلف هونغ كونغ " ، مما دفع ب " التمساح " المضارب المالي الدولي على الفور الى اعادة مخلبه الى حيث كان .. ومع خطورة الازمة المالية وتداعياتها ، وحرصا منها على تقليل تأثيراتها السلبية على اقتصاديات الدول الاّسيوية الى اقصى حد ممكن وخاصة المجاورة منها ، وانطلاقا من مواقف الصين المسؤولة كدولة كبرى ، تمسكت الحكومة الصينية بموقف عدم خفض سعر صرف العملة الصينية ( الرنمنبى ) .. ولولا ذلك لتضررت اقتصاديات الدول المجاورة شر ضرر ، لا بل اصابة تلك الاقتصاديات بالشلل الكامل .. احاديث واقاويل كثيرة قيلت حول تراجع الاستثمارات الاجنبية في الصين خلال الازمة المالية ، غير ان القليل ممن يعرف سياسة تشغيل الودائع المحلية الضخمة واستثمارها في بناء البنى التحتية التي انتهجتها الصين خلال تلك الفترة واعطائها لقوة دفع كبيرة للاستهلاك المحلي للمحافظة على قوة الاقتصاد الصينى ونموه .. بهذه السياسة الاقتصادية الناجحة ادرك ابناء الشعب الصينى مدى قوة اقتصاد بلادهم وصحة وسلامة سياسة الاصلاح و الانفتاح . و اليوم فان مؤشرات النمو الاقتصادى والاستثمارات و الادخارات فى الصين قد سجلت ارقاما قياسية جديدة ، واوصلت السياسة المالية الثابتة بالاوضاع الاقتصادية الى مستوى لم تشهده منذ اوائل ثمانيات القرن الماضى .. علينا ان نقرأ بشكل صحيح الثابت والمتغير في السياسة الصينية ، كي نستطيع فهم عظمة الانجازات التي حققتها الصين خلال العقود الثلاثة الماضية ومواقفها من الاحداث والمتغيرات على الاوضاع الدولية والاقليمية.. فجوهر ومباديء السياسة الخارجية الصينية القائمة على السلام والاستقلال لم يطرأ عليها اي تغيير ، ومباديء التعايش السلمي الخمس لا زالت الاساس لعلاقاتها الدولية ، وخلق نظام دولي عادل ومعقول على المستويين السياسي والاقتصادي لا زال مبتغاها ، ومعارضة سياسة القوة ونزعة الهيمنة وكل القواعد والاخلاقيات والمواقف الداعمة للحق والعدل والسلام والاستقرار العالمي ، كلها من الثوابت في السياسة الخارجية الصينية .. ان الثابت في السياسة الصينية هو سر عظمتها ، وسر التفاف دول وشعوب العالم الثالث حولها ، ووقوف القوى المحبة للعدل والسلام معها .. بينما المتغير هو كل ما يقف عائقا في طريق نهضة الصين وتطورها ، فالاشتراكية لا تعني الفقر والتخلف والتقوقع ، اطلقت القيادة الصينية العنان لشعبها بكل طاقاته وامكانياته لتحقيق ثورة المستحيل ، فتحرر من قيود " الثورة الثقافية " ، وسار في طريق الاصلاح والانفتاح بشكل منظم ومبرمج ، وعادت الصين ، التي ظلت تغرد خارج السرب الدولي ، وتنادي باسقاط النظام الدولي القائم واستبداله باّخر اكثر عدلا ومعقولية على المستويين السياسي والاقتصادي ، لتجد نفسها مضطرة الى التعامل مع هذا النظام والانخراط فيه اذا ما ارادت تعديله او استبداله ، وهذا ما يترتب عليه الكثير من الواجبات والالتزامات تجاه كل النظم والمواثيق المنبثقة عنه ، بما في ذلك التعامل والاعتراف ببعض الدول والكيانات التي لم تكن تعترف بها بما فيها اسرائيل وكوريا الجنوبية مثلا .. للمفارقة اقول ان السياسة الخارجية الصينية على الرغم من سماتها التواصلية والاستمرارية ، الا أن تأثيرها وفعالية دبلوماسيتها تختلف الاّن عما كانت عليه قبل سياسة الاصلاح والانفتاح ، لا بل تزداد تأثيراتها وفعاليتها يوما بعد يوم مع ازدياد القوة الوطنية الصينية وتعاظمها ، الى جانب حيويتها ومواكبتها للتغيرات .. لقد ظلت الصين الضعيفة اقتصاديا تنادي طوال الستينات والسبعينات باسقاط الامبريالية ومعاداة الهيمنة ، والدعوة الى تعزيز دور هيئة الامم المتحدة ورفض الاندماج في النظام الدولي القائم وتدعو الى اسقاطه .. الخ ، فعلى الرغم من سلامة مواقفها وصحة سياساتها ، وتأييد دول العالم الثالث لها وتضامن الشعوب المحبة للسلام معها، الا ان فاعليتها كانت محدودة وتأثيراتها ضعيفة على المسرح الدولي ، خاصة ونحن نعيش في عالم لا يحترم الضعفاء .. بينما اليوم تفعل ما تقول ، ولها حضور قوي في معالجة الشؤون الدولية . ان حقيقة تعاظم القوة الوطنية الصينية الشاملة هو الذي فرض المشاركة الصينية النشطة فى الشؤون الدولية ، التي عكست صورتها كدولة تحس بالمسؤولية تجاه الاسرة الدولية .. ان أل GDP هو المؤشر لقوة الدول ، وقد اصبح ألGDP ألصيني حسب الإحصائيات الوطنية والدولية المعنية يحتل المرتبة الخامسة عالميا ، هذا وسيتجاوز كل من بريطانيا و المانيا و اليابان خلال السنوات العشر القادمة ، بينما سيفوق امريكا ويتربع على عرش العالم خلال الربع الاول من القرن الحالي .. ان قلوبنا مفعمة بالفخر والاعتزاز لهذه الانجازات العظيمة .. فقد شاهدنا عام 2001 زعماء دول منظمة التعاون الاقتصادي لمنطقة اسيا الباسيفيك وهم يرتدون جميعا اللباس التقليدي الصيني ، لباس اسرة تانغ ، يتوسطهم الزعيم الصيني انذاك جيانغ تزى مين ، وها هي الصين تتأهب لاستضافة دورة الالعاب الاولمبية لعام 2008 .. فمن الواضح بأن الصين بدأت ومنذ اوائل القرن الحادي والعشرين تلعب دورا متصاعدا في الشؤون الدولية .. ففي السابق كانت الولايات المتحدة تتصرف في الشؤون الدولية كما يحلو لها دون اعارة اي اهتمام او اعتبار للصين ومواقفها ، بينما اليوم اختلف الوضع ، والموقف الصيني عاد له ثقله وتأثيراته ، شاء من شاء وابى من ابى ، انه حقيقة لا يمكن تجاوزها .. وعلى هذا الاساس ، ومن منطلق تأثير الصين وحضورها الدولي شهدت العلاقات الصينية الامريكية تحسنا ملحوظا مقارنة ما كانت عليه في الايام الاولى من رئاسة بوش الذي كان يعتبر الصين كـخصم استراتيجى " محتمل " ، على خلاف موقف كلنتون الذى كانت ادارته تعتبر الصين شريكا استراتيجيا للولايات المتحدة .. فسياسة بوش في بداية عهده تجاه الصين كانت تغلبها ضبغة الاحتراس و الاحتواء ، وتؤكد على ضرورة تعزيز علاقاتها مع اليابان وتضخيم دورها الاقليمي ل " مواجهة تلك التحديات المحتملة من الصين " ، والتقرب من سلطات تايوان على حساب بكين " . .. فقد اعلنت في بداية عام 2001 عن صفقة اسلحة لها مع سلطات تايوان تقدر بـ 6 مليار دولار امريكى ، اي انها الاكبر منذ عام 1992 ، والاكثر من ذلك ذهبت الولايات المتحدة ذهبت الى حد العمل على تطوير النظام الصاروخي الاقليمي المضاد (TMD)، واستدراج تايوان و اليابان و كوريا الجنوبية للانضمام اليه .. و فى ابريل 2001 وقعت حادثة تصادم الطائرتين العسكريتين الصينية و الامريكية فوق سماء البحر الجنوبى الصينى ، مما دفع ببوش في الخامس والعشرين منه الى اعطاء تصريح صحفي قال فيه " سابذل كل ما فى وسعى لدعم سلطات تايوان فى سبيل الدفاع عن نفسها .. " ، الامر الذى اوصل العلاقات الصينية الامريكية الى الحضيض .. وفي اعقاب حادثة " التاسع عشر من سبتمبر " تم وضع مكافحة الارهاب في اولويات السياسة الخارجية الامريكية ، بحيث سارعت الادارة الامريكية في اعادة تنظيم علاقاتها مع الدول الكبرى ، وكان توجهها وتنظيمها للعلاقات مع الصين الاكثر لفتا للانظار . وخلال قمة آسيا ـ الباسيفيك لعام 2001 فى شنغهاى ، قرر الرئيس بوش اقامة علاقات تعاون بناءة مع الصين ، وشدد في تقرير عام 2002 حول ((استراتيجة الامن القومى )) على ان بلاده ترحب بـ " ظهور صين قوية مسالمة مزدهرة الى حيز الوجود " ، كما أشار كولين باول ـ وزير الخارجية الامريكى فى نوفمبر 2004 الى ان " العلاقات الصينية الامريكية تعيش اجمل ايامها طوال الثلاثين سنة الماضية " . ان الخطاب الذى القاه روبرت زوليك ـ مساعد وزيرة الخارجية الامريكية فى 21 سبتمبر 2005 يعتبر حدثا مفصليا هاما في ثبات السياسة الاميركية تجاه الصين ، حيث قال فيه ان الصين هي دولة مسؤولة تتقاسم المصالح ، مشيرا الى ان " طالما النظام الدولى القائم قد ساعد الصين على تحقيق نجاحاتها المنشودة فعلى الصين ان تساهم فى ترسيخ هذا النظام " ، و " ما دامت الصين شريكا مسؤولا يتقاسم المصالح ، فلا ينبغى ان يقف عند حد العضوية في النظام القائم ، بل عليه مشاركتنا الجهود فى الحفاظ على النظام الدولى القائم “ الذى حقق من خلاله نجاحاته " .. وحمل خطاب زوليك فى طياته الكثير من المعلومات الدالة والهامة ، اذ بين اولا ان الولايات المتحدة على استعداد لقبول حقيقة ان الصين تسير على طريق الانبعاث دون ان تقوم امريكا باتخاذ اي اجراءات لمواجهة التنمية الصينية السريعة كما فعلت ذلك مع الاتحاد السوفياتي السابق ؛ وثانيا ـ ان اندماج الصين في النظام الدولي القائم لا يكفي ، بل عليها ان تصبح دولة مسؤولة تتقاسم المصالح ، و تشارك الجهود الامريكية لحماية هذا النظام ؛ وثالثا ـ لا زال هناك شكوكا و هواجسا تساور الولايات المتحدة تجاه الصين ـ" المسألة الجوهرية هي كيف ستستخدم الصين قوة تأثيرها " .. هذا ما سجلته الصين من انجازات ، وعلى هذا المنوال فان الولايات المتحدة ، وبعد سنوات قليلة من الان ، ستحسب الف حساب و حساب لموقف الصين قبل ان تتخذ اي قرار بشأن اي قضية اقليمية او دولية ..

其它图书
阿尔及利亚 阿拉伯联合酋长国 阿曼 阿拉伯埃及共和国 巴勒斯坦 伊拉克共和国 索马里共和国 毛里塔尼亚伊斯兰共和国 科摩罗伊斯兰联邦共和国 也门共和国 阿拉伯叙利亚共和国 突尼斯共和国 苏丹共和国 沙特阿拉伯王国 摩洛哥王国 大阿拉伯利比亚人民社会主义民众国 黎巴嫩共和国 科威特 卡塔尔 吉布提共和国 巴林王国 约旦哈希姆王国